
سلسلة ” غابة الذئاب :
✍️ سمير الشحيمي- كاتب عماني :
داخل مكتب الجد العقيد
خيّم صمت ثقيل على الغرفة، صمتٌ يشبه ذلك الذي يسبق الانهيارات الثلجية، كان اسم (الأرملة السوداء) كافياً ليجعل ملامح السيد وارث الصارمة تزداد جموداً، بينما تلاشت الابتسامة الخبيثة عن وجه السيد أسد، وتحرك السيد قتادة في مقعده بقلق غير مخفي.
المسامر كان الوحيد الذي يتبادل معهم نظرات حائرة، يملؤها الغضب والفضول، خطى خطوة إضافية نحو مكتب والده، وضرب بيده على حافته الخشبية متسائلاً بنبرة حادة:
— الأرملة السوداء؟! من تكون هذه المرأة التي يرتعد من اسمها كبار المنظمة؟ ولماذا لم أسمع بها من قبل؟
نظر إليه الجد العقيد، ونقر بمقبض كرسيه الفضي وقال بصوت خفيض وعميق:
— الأرملة السوداء ليست مجرد عدو، إنها الثأر القديم الذي ظننا أننا دفناه تحت رمال الصحراء قبل عشرين عاماً.
وقف السيد وارث ببطء، مشبكاً يديه خلف ظهره، وتحدث وعيناه تشعان خطورة:
— إذا كانت قد عادت فعلاً، فهذا يعني أن في جعبتها أمراً ما وتخطط لشيء نحن لا نعلمه، العقيد محق يا سام، هذه المرأة لا ترحم، وقد بدأت تحركاتها بالفعل، وأنت قد واجهت رجالها في هجوم مستودع شركة كريستال.
المسامر بغضب:
— تقصد أن صفقة الأموال المزورة تتعلق بها، اذا هيه التي أمرت بتخلص من المدير التنفيذي لشركة كريستال لكي لا يكشف أمرها.
الجد العقيد:
— بما أنها نجحت في ضخ أموال مزورة في السوق السوداء، يعني هذا أنها بدأت التحرك فعلاً.
السيد مؤيد:
— المهم الآن أن نعرف ماهية خطوتها القادمة؟
السيد قتادة:
— وجود البارون هنا يعني أنه يعرف ماهية خطوتها القادمة.
التفت السيد أسد نحو وارث، وعيناه تلمعان بذكاء شرير:
— إذن، اللعبة أصبحت مكشوفة، البارون يريد استخدامنا كدرع في وجه الأرملة، أو ربما يريد استخدامها لكسر شوكتنا ثم يلتهم الساحة وحده.
التفت الجد العقيد إلى ابنه المسامر وأشار بيده إلى الباب:
— الآن يا بني.. اخرج، ما سيقال الآن هو أسرار تأسيس المنظمة، دماءٌ قديمة لا كسب لك في سماعها، جهز رجالك، فمدينة الأبراج لم تعد آمنة.
خرج المسامر على مضض، والشك يحرق صدره، بينما أُغلق الباب خلفه لتبدأ مناقشة الحرب الكبرى.
مدينة قمرة
قصر الأرملة السوداء
كانت الرياح قد هدأت قليلاً، لكن برودة الجو داخل الفيلا كانت أشد من برودة الصحراء بالخارج، كانت الأرملة السوداء تقف أمام النافذة الضخمة، تنظر إلى الأفق البعيد حيث تتداخل الرمال بالظلام.
كان صقر يقف خلفها بمسافة آمنة، ينتظر أوامرها، التفتت إليه ببطء، وعلى وجهها ابتسامة غامضة، ثم قالت بنبرة هادئة ومخيفة:
— العقيد حي.. هذا أفضل ما سمعته اليوم يا صقر، أريده أن يرى بأم عينيه كيف تنهار إمبراطورية آل السامر.
صقر بتردد:
— سيدتي.. اعتقد ان المنظمة الآن في حالة استنفار، أتوقع أن هناك تحالفاً خفياً بين العقيد والبارون، ألا تعتقدين أن مواجهتهم مجتمعين ستكون خطيرة؟
ضحكت الأرملة السوداء ضحكة قصيرة باردة، وعادت لتجلس خلف مكتبها:
— البارون ثعلب يراقب من بعيد، يظن أنه أذكى من الجميع، أنا أكثر شخص على وجه الأرض أعرفه جيداً وأعرف كيف يفكر، اسمع… أريد أن تجهزوا طائرتي الخاصة.
صقر بانحناءة:
— أمركِ يا سيدتي، إلى أين الوجهة؟
استندت الأرملة برأسها إلى الخلف، وقالت وعيناها تلمعان:
— إلى المدينة الغائمة لزيارة البارون.
مدينة الأبراج
فيلا العقيد
في الخارج، كانت نسمات الليل الباردة تداعب أشجار الحديقة الكثيفة، لكن الجو لم يكن كافياً لإطفاء النيران المشتعلة في صدر المسامر. كان يسير بخطوات واسعة ومتوترة، يضم قبضتيه وعقله يكاد ينفجر من كثرة الأسئلة، (الأرملة السوداء).. الاسم يتردد في أذنيه كصوت نذير شؤم لم يعهده من قبل.
استقر به المطاف واقفاً أمام نافورة المياه، يراقب انعكاس ضوء القمر المهتز على سطحها، والتفت فجأة على صوت خطوات هادئة ورزينة تقترب منه، ليجد السيدة أنفال تقف هناك، ملامحها تحمل مزيجاً من القلق والوقار.
نظر إليها المسامر ونبرة الغضب والفضول ما زالت تسيطر على صوته:
— السيدة أنفال.. جميعهم أصابهم الرعب من مجرد سماع اسم امرأة! لماذا يحسبون لها كل هذا الحساب؟ من تكون هذه الأرملة السوداء لتجعل حصون آل السامر تهتز هكذا؟
اقتربت السيدة أنفال خطوة أخرى، وتنهدت تنهيدة طويلة بدا وكأنها تحمل ثقل عشرين عاماً من الأسرار، نظرت إلى عيني المسامر وقالت بصوت منخفض يحمل نبرة تحذيرية:
— هدئ من روعك يا سيدي سام.. الخوف الذي رأيته في أعينهم ليس ضعفاً، بل هو إدراك لحجم الكارثة، هم لا يخافون من مجرد عدو خارجي، بل يخافون من شبح ماضٍ كان يعيش في قلب هذا البيت.. الأرملة السوداء يا بني، هي “سلافة”.. زوجة والدك السابقة!
تسمّر المسامر في مكانه، واتسعت عيناه بصدمة ألجمت لسانه لثوانٍ، قبل أن ينطق بنبرة مخنوقة:
— زوجة والدي؟! الجد العقيد كان متزوجاً منها؟! كيف.. ومتى حصل ذلك؟ قبل أن يتزوج أمي أم بعد؟
تحركت السيدة أنفال ببطء نحو مقعد خشبي قريب، وجلست وهي تنظر إلى الأفق بأسى، وتابعت:
— سلافة تزوجها أبوك قبل أن يتزوج والدتك رحمها الله، ولأن اسمها شُطب من تاريخ العائلة بحد السيف قبل عشرين عاماً، لم تكن سلافة مجرد زوجة، بل كانت الشريكة والعقل المدبر الذي يعتمد عليه الجد العقيد، وسمّت نفسها باسم حركي (الأرملة السوداء) لأنها كانت تحب العناكب، لكن طموحها لم يكن له سقف يا مسامر.. لقد أرادت السيطرة المطلقة على (منظمة الذئب الأسود) بالكامل، والاستقلال بها لحسابها الخاص.
اقترب المسامر خطوة منها، والذهول يسيطر على ملامحه:
— السيطرة على منظمة الذئب الأسود؟!
أومأت أنفال برأسها بجدية شديدة:
— نعم، وهذا الأمر فجّر أزمة طاحنة في عالم المافيا والسوق السوداء حينها، انقسمت الولاءات، واهتزت أركان الإمبراطورية بسبب الصراع المرير بينها وبين والدك، والسفينة لا يقودها قائدان، فتحولت أروقة المنظمة إلى ساحة حرب باردة كادت تعصف بكل ما بنيناه. تداخلت مشاعر الزواج بصراعات الدم والسيطرة، حتى وصلت الأمور إلى نقطة لا عودة فيها، واعتبر كبار المنظمة وعلى رأسهم والدك والسيد وارث، أن محاولتها للاستقلال هي خيانة عظمى وتهديد وجودي للمنظمة.
وتابعت وعيناها تلمعان بأسى:
— لذلك صدر القرار النهائي الحاسم بسرية تامة.. تصفيتها وتدمير نفوذها بالكامل لإنهاء هذه الأزمة، في يوم خرجت سلافة تقود عملية مهمة في مدينة قمرة، نصبوا لها كميناً دموياً في قلب الصحراء، قُتل فيه كل رجالها، وحُرقت سياراتها، وظن الجميع ليلتها أن وجودها وطموحها قد دُفنا معاً تحت الرمال.
صمتت أنفال لبرهة قبل أن تضيف بنبرة تقشعر لها الأبدان:
— لكنها لم تمت.. ولدت من جديد من رحم تلك المجزرة، ويبدو أن الأرملة السوداء رجعت لتنتقم وتطارد الرجل الذي كان يتقاسم معها الفراش والسر، والرجل الذي أراد دفنها حية لإنقاذ المنظمة.. والدك العقيد.
نهض المسامر وضغط على حافة النافورة، يستوعب الحقيقة المرعبة التي قلبت موازين كل ما يعرفه عن عائلته، وقال بصوت خفيض:
— لهذا السبب قال والدي إنها دماء قديمة لا كسب لي في سماعها.. المعركة شخصية جداً، وتتعلق بأصل نفوذنا، ولهذا يرتعدون؛ لأنها تعرف كل شيء عن مافيا العراب آل السامر.
أومأت السيدة أنفال برأسها ببطء، ووضعت يدها على كتفه محذرة:
— بالتأكيد.. احذر يا سام، نيران الغيرة والانتقام عندما تأتي من امرأة كانت يوماً ما تريد ابتلاع المنظمة بأكملها.. لن تترك أخضراً ولا يابساً إلا حرقته.
تنهد المسامر عميقاً ثم قال:
—السؤال الذي يجول في رأسي ، ما دخل البارون في هذا كله؟
صمتت السيدة أنفال قليلاً ثم همست قائلة:
— البارون يكون أخا لسلافة غير الشقيق.
يتبع….
[email protected]



