كتاب الرأي

قصائدُ على خشبةٍ غريبة

✍🏻رحمة الطويرقي _ كاتبة سعودية :

ثمةَ ركنٌ قـصيٌّ في أرواحـنا ، لا تطأه أقدامُ الواقع، ولا تصله رياحُ التغيير ركنٌ نحتفظُ فيه بـ النسخة الأصلية من أحـلامنا. هناك، في ذلك المخبأ السـريّ ، توجدُ الحياةُ التي كنا نستحقها رفاقٌ يشبهون حديث أرواحنا، دروبٌ لم تكن وعرةً بالاضطـرار ، وشغفٌ لم يُقـصَّ جناحـاه بمقصّ المسؤوليات الجافة.

نحنُ نمضي في هذه الحـياة ، نرتدي أثواباً لا تليق بمقاساتِ أرواحنا ، ونؤدي أدواراً كُتبت في مسرحٍ لم نختر نصوصه. كأننا نمثلُ في مسرحيةٍ لا نعرفُ متى بدأ فصلها الأول ، ولا نملكُ الجرأة لنغـادرَ الخشبة قبل إسدال الستار. نرتجلُ الابتسامات، ونرتجلُ الحماس، ونرتجلُ الأحاديث العابرة ، بينما قلوبنا لا تزالُ عالقةً عند ذاك المنعطفِ البعيد ، حيث تركنا شغفنا الأول يلوّحُ لنا من بعيد.

هل سألتِ يوماً مراياكِ بصدق : من الذي يسكنُ فيكِ ؟ هل هو الشخص الذي يواجه العالم كل صباح بصلابةٍ زائفـة ، أم ذلك الطفل الذي كان يطمحُ لرسمِ ملامح العالم بفرشاةِ الدهشة؟

إن “الوداع” في جوهره ليس رحيلاً من مكانٍ إلى آخر، لكنـه هو تلك اللحظة التي نلوّح فيها بأيدينا لأمنياتنا ، مدركين تماماً أنها لن تعود . نحنُ نودعُ أنفسـنا كل يوم في الروتين ، في التنازلات الصغيرة ، وفي الصمتِ المُطبق الذي نفرضه على صوتِ الشغفِ كي لا يزعجَ صخب الواقع.

ومع ذلك .. هل هذه الحياةُ الغريبةُ التي نعيشها خطأ ..؟!

ربما ليست خطأ ، لكنها ” نصٌّ موازٍ “. ففي قلبِ هذا الاغتراب ، قد نكتشفُ أننا لسنا مجرد كائناتٍ تائهة، نحنُ قصائدُ عصيّةٌ على الانكسـار ، نكتبُ جمالنا الخاص من رحـمِ الغربة. لقد أخذتنا الأقدار إلى نصٍّ غريب لنكتشفَ قدرتنا على الكتابةِ في الهوامش ، ولنصنعَ من اللا تشابه جمالاً خاصاً لا يدركه إلا من ذاق مرارة العيش في حياةٍ لم يخترها.

فلتبقً تلك الزاوية الدافئة في أعماقنا متقدة. لا بأس أن نكون غرباء في هذه الحياة ، ما دمنا نحملُ في أعماقنا وطناً من الأحلام ، وما دمنا ندركُ رغم كل شيء أننا نستحقُّ ما هو أجمل ولو مجرد فكرة ، أو بقايا ذكرى ، أو أملاً لا يشيخُ أبداً.

نحنُ لسنا ما فرضته علينا الأيام، نحنُ تلك القصيدة التي نرفضُ أن تنتهي ، حتى وإن كان المسرحُ غريباً ، والجمهورُ لا يقرأ ما بين السطور.

[email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. الله عليك.. الله عليك.. الله عليك
    ماااااجملك وماأجمل روحٍ تسكنك.. وماأجمل نبضك
    قرأت بتمعن صفحة أخرى وموازيةلذوات البشر
    وماهو اللمكن والمراد فيها وماهو الملغى والمحظور
    في قرينتها الأخرى…
    نعم أستاذة الفكر . عقولنا الباطنة بعاطفتها ترغب أن تعيش
    ذاتها وماتود لتهنى وتسعد.. ولكن واقعنا رسم بخارطتة
    الصماء حواجز كثيرة . منها الممكن تجاوزه بعد عراك
    ومنها المستحيل عبوره حتى الممات!!
    هناك حدود دينية وتشريعات وضعية وقوانيين عرفيه
    جميعها اتحدت على الكبح وجعلتنا نعيش بنسخة المتاح
    حتى نعبر الطريق الطريق بسلام
    إلهي انت العليم الحكيم . إن اتيناك بربع طاقتنا المتاحه
    فلاتعاقبنا بشيئاً في نفوسنا كنا نود قوله وفعله ولكننا
    عجزنا عن ذلك!!
    بحجم السماء شكراً لهذ الفكر الراقي
    رحمة الفخر الادبي واليك تحيتي وتقديري

    1. امتناني لمرورك الراقي أ.جبران
      ولفيضِ هذا الفكر الذي يلامس جوهر الحقيقة بصدقٍ وشفافية.
      إنَّ ما وصفتَه هو ضريبةُ الوعي ذاك الصراع الأزلي بين جموح الروح وضيقِ المدى. نحنُ بالفعلِ نعيشُ في «نسخة المتاح»، لكنَّنا في لحظاتِ الصدقِ مع الذات، نُدركُ أنَّ موازين السماء لا تحاسب على ما كبحه الحياءُ أو الضرورة، بل تنظر إلى طهرِ النوايا التي سكنتْ زوايا الروحِ الخفية.
      عجزُنا أمامَ الواقعِ ليسَ انكساراً، إنما هو شكلٌ من أشكالِ التسليمِ النبيل. دمتَ بقلبٍ يرى ما وراءَ الحروف ودام هذا الرقيُّ عنواناً لحضورك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى