كتاب الرأي

ليس كل غني ثرياً

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب سعودي :

المال لا يكشف مقدار ما تملك… بل يكشف مقدار ما في قلبك.

ولذلك، ليس كل غني ثرياً.

فقد ترى إنساناً امتلأت حساباته بالأرقام، لكنه فقير في أثره، لا يكاد أحد يذكر له معروفاً، ولا قريباً جبر خاطره، ولا محتاجاً تبدلت حياته بسببه. وقد ترى آخر لا يملك إلا القليل، لكنه يترك في كل قلب مر به أثراً لا يُشترى بالمال.

ليست الثروة فيما نجمع، بل فيما يبقى منا بعد أن نغادر.

وحين يوسع الله على عبدٍ في رزقه، فإنه لا يمنحه المال ليغير مستوى معيشته فحسب، بل ليختبر كيف سيتعامل مع هذه النعمة. فالمال في حقيقته أمانة قبل أن يكون ملكاً، ورسالة قبل أن يكون رفاهية، ووسيلة قبل أن يكون غاية.

وسيأتي يوم يقف فيه كل صاحب نعمة مع نفسه، ولن يكون السؤال: كم كان رصيدك؟ بل ماذا صنعت بما رزقك الله؟

كم دمعة مسحت؟
وكم قلباً جبرت؟
وكم قريباً شعر أن الله وسع عليه لأنك كنت سبباً بعد فضل الله؟
وكم إنساناً حفظ كرامته لأن يدك سبقته إلى حاجته؟

هناك فرق كبير بين أن يُقال: “كان رجلًا غنياً”، وبين أن يُقال: “كان سبباً في حياة كثيرين”. فالجملة الأولى تصف ما كان يملك، أما الثانية فتصف من كان. وما نملكه يزول، أما ما نكونه فيبقى في ذاكرة الناس ودعائهم.

وأجمل صور الغنى ليست أن يراك الناس كثير المال، بل أن يشعر أهلك أولاً بخير ما أنعم الله به عليك. فما أجمل المال إذا بدأ أثره من البيت، واتسع للأقربين، ثم امتد إلى الناس. فالقريب الذي يفرح بنعمتك، أولى بأن يجد نصيباً من خيرها، لأن الخير الذي لا يبدأ من الأقربين، كثيراً ما يفقد أجمل معانيه.

وليس المقصود أن يحمل الإنسان هموم الناس جميعاً، ولا أن يوزع ماله بلا حكمة، وإنما أن يدرك أن البركة ليست فيما نحتفظ به، بل فيما يباركه الله لأنه خرج في موضعه الصحيح.

ومن أعجب ما يصنعه المال أنه يجمع حول صاحبه وجوهاً كثيرة، لكن ليس كل وجه صادقاً. فبعض الناس لا يقتربون من الإنسان، بل يقتربون مما في يده. يترقبون حضوره في المجالس، ويبالغون في الثناء عليه، لأنهم يرون في ماله مصلحة، لا في شخصه قيمة. فإذا تغيرت الأحوال، انفض كثير ممن كانوا يملؤون المكان ضجيجاً، وبقي الصادقون وحدهم.

أما الصادقون، فلا يفرحون بما تملك، بل بما أنت عليه. يهمهم صلاحك قبل ثرائك، وأخلاقك قبل عطائك، ودعاؤهم لك لا يتغير إن زاد مالك أو نقص.

ولهذا، لا تجعل كثرة المصفقين مقياساً لمكانتك، ولا ازدحام المجالس حولك دليلاً على محبتك. فالمال قد يجذب الناس إليك، لكنه لا يستطيع أن يصنع لك محبة حقيقية. والمحبة التي يشتريها المال، يبيعها أول ظرف.

ويبقى المال زائراً لا مقيماً. قد يأتي سريعاً، وقد يرحل أسرع مما جاء. أما العمل الصالح، وصلة الرحم، وجبر الخواطر، فهي الثروة الوحيدة التي لا تنقصها الأيام، ولا يطويها الزمن.

ويبقى الأثر…

تذكر أن المال في يدك عابر، أما الأثر الذي تتركه في القلوب فباقٍ ما بقيت ذكراك.

وحين تنتهي رحلتنا في هذه الحياة، لن يسأل الناس كم جمعنا من الأموال، بل كم جبرنا من الخواطر، وكم نفساً خففنا عنها، وكم قريباً شعر أن الله أكرمه لأننا كنا سبباً بعد فضله.

فلا تحرص أن تكون غنياً في أعين الناس، بل احرص أن تكون نعمة في حياة من حولك. فالثراء الحقيقي لا يُقاس بما تملكه، بل بما تتركه خلفك من دعوات صادقة، وقلوب ممتنة، وسيرة طيبة لا يطويها الزمن.

وصية..

ليس كل غني ثرياً، وإنما الثري حقاً هو الذي إذا غاب، بقي أثره حاضراً، وإذا ذُكر اسمه، قال الناس من أعماق قلوبهم: لقد كان خيراً لنا، وما زال أثره بيننا.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى