كتاب الرأي

الحمرة: مركزٌ حَمَلَ تاريخُه عطاءً.. ومستقبلُه واعدٌ بالتنمية

✍️أ. د. محمد شايع الشايع – كاتب وإكاديمي بجامعة الملك سعود :

في وطنٍ يمتد على مساحة قارة، لا تقتصر حكايات التنمية على المدن الكبرى، بل تتوزع تفاصيلها في القرى والمراكز التي صنعتها عزائم الرجال، وحفظت أسرارها الجبال والأودية، حتى غدت جزءاً أصيلاً من هوية المملكة وتاريخها. ومن هذه النماذج المضيئة يبرز “مركز الحمرة” بمحافظة وادي الدواسر، تلك القرية الوادعة التي جمعت بين عراقة الماضي، وجمال الطبيعة، وطموح المستقبل، فأصبحت أيقونةً تنموية في قلب هذا الوطن المترامي الأطراف.

لم يكن قيام مركز الحمرة حدثاً عابراً، بل جاء ثمرة جهودٍ جبارة بذلها الشيخ عمر بن خشنان -رحمه الله- من المخاريم من آل سالم من الدواسر، الذي حمل على عاتقه مسؤولية تأسيس المركز للمّ الشمل وتوطين أبناء عمومته، مؤمناً بأن بناء الإنسان يبدأ ببناء المكان. لقد سعى بكل إخلاص لمتابعة احتياجات المنطقة وتوفير مقومات الاستقرار، حتى أصبحت الحمرة مركزاً إدارياً حيوياً. ولما عُرف عنه من وفاء ورجاحة رأي، كان يحظى بتقدير ومكانة خاصة من صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز رحمه الله، الذي اطلق عليه لقب ـ«عوضين»، وهو لقب ظل ملازماً له، وشاهداً على مكانته الرفيعة.

وكما صنع الإنسان تاريخ الحمرة، فقد صنعت الطبيعة شخصيتها، فهناك يقف “جبل الحمرة” شامخاً يروي للأجيال قصة المكان، بينما تضفي أشجار السمر والطلح على سفوحه جمالاً طبيعياً يأسر الزائر. وما إن تتعاقب الأمطار حتى تكتسي الأرض بالخضرة، وتمتلئ الأودية بالحياة، لتتحول الحمرة إلى لوحة ربيعية بديعة. ولعل من أبرز معالمها واديا “ماسل” و”مويسل”، اللذان شكّلا شرياناً للحياة، وقد أولتهما الدولة اهتماماً كبيراً، حيث حرص الأمير سلطان بن عبدالعزيز ولي العهد ووزير الدفاع رحمه الله على دعم تنمية المنطقة بحفر الآبار وإنشاء السدود لتعزيز استقرار السكان، حتى بات أهالي الحمرة يصفون عذوبة مياهها بأنها كـ«طشّة مطر» في نقائها.

واليوم، يواصل الأستاذ سعود بن عمر بن خشنان -الذي يحمل إرث والده رحمه الله خدمة المركز وأهله، مستكملاً المسيرة في وقت تشهد فيه المملكة نهضة تنموية غير مسبوقة في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين -حفظهما الله-. وقد جاءت رؤية المملكة 2030 لتمنح القرى والمراكز الواعدة فرصةً استثنائية، تقوم على تنويع الاقتصاد، واستثمار المقومات الطبيعية، وتعزيز السياحة البيئية والريفية، وتحسين جودة الحياة.

إن من ينظر إلى الحمرة بعين التنمية، يدرك أنها تمتلك مقوماتٍ واعدة لتكون وجهة سياحية متميزة، فهدوء المكان، ونقاء الهواء، وروعة الجبل، وجمال الأودية، وكرم أهلها، وأصالة موروثها الاجتماعي، كلها عناصر تؤهلها لتكون مقصدًا لعشاق السياحة الطبيعية، وميدانًا للاستثمار في النزل الريفية، والمخيمات البيئية، ومسارات المشي الجبلي، بما يحقق التنمية الاقتصادية ويحافظ في الوقت نفسه على هوية المكان.

ختاماً، إن الحمرة ليست مجرد مركز على أطراف وادي الدواسر، بل هي نموذجٌ لما تختزنه مملكتنا من كنوز طبيعية وإنسانية تستحق أن تُروى قصة نجاحها. فهي قصة رجالٍ بنوا، وقيادةٍ دعمت، وطبيعةٍ أبدعت، ووطنٍ جعل التنمية حقاً لكل بقعةٍ فيه. ستظل الحمرة صفحةً مشرقة في سجل وطنٍ يزدهر من أقصاه إلى أقصاه، في مسيرة تنموية طموحة لا تعرف إلا التقدم والازدهار.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى