كتاب الرأي

جائزة طريب للتفوق العلمي.. خمسة عشر عامًا من التميز وآفاق أرحب للمستقبل

✍️د. سعيد بن عبدالله آل جفشر – كاتب سعودي :

تلقيت دعوة كريمة من الدكتور سعيد بن فايز آل ناجع لحضور حفل جائزة طريب للتفوق العلمي، وهي دعوة أعتز بها وأقدرها، إلا أن الظروف حالت دون تمكني من الحضور والمشاركة في هذه المناسبة العلمية والمجتمعية المتميزة.

وقد دفعتني هذه الدعوة إلى العودة إلى ما تيسر من أرشيف الجائزة، والاطلاع على شيء من مسيرتها عبر سنواتها المتعاقبة، ثم تابعت ما نُشر عن حفل دورتها الخامسة عشرة بقلم أخي الكريم الأستاذ فلاح آل ملفي، وما تضمنه تقريره عن تكريم سبعة وأربعين متفوقًا ومتفوقة من أبناء وبنات محافظة طريب، في مشهد يؤكد أن هذه الجائزة لم تعد مناسبة عابرة، بل أصبحت مشروعًا مجتمعيًا راسخًا له حضوره وأثره واستمراره.

ولمحافظة طريب وأهلها في نفسي مكانة وتقدير، وتربطني بكثير من أبنائها علاقات صداقة ومعرفة تمتد إلى نحو عام 1420هـ، ولذلك فإن ما تحققه هذه المحافظة من نجاح، وما يقدمه أبناؤها من مبادرات نوعية، هو محل تقدير واعتزاز.

ولعل أول ما يستوقف المتابع لمسيرة جائزة طريب للتفوق العلمي هو تميزها، ويتجلى هذا التميز في جوانب عديدة، يأتي في مقدمتها الاستمرار؛ فإطلاق المبادرات قد يكون يسيرًا، ولكن المحافظة عليها وتطويرها عامًا بعد عام هو التحدي الحقيقي. وحين تستمر جائزة علمية خمسة عشر عامًا، وتتوالى دوراتها، ويتعاقب داعموها، وتتسع دائرة المستفيدين منها، فإن هذا الاستمرار في حد ذاته أحد أبرز شواهد نجاحها وتميزها. فنحن لا نتحدث عن حفل سنوي فحسب، بل عن تجربة مجتمعية راسخة تستحق الدراسة والتوثيق والإشادة.

وقد تميزت الجائزة في رسالتها، وفي محتواها، وفي ما وجدته من دعم ورعاية واهتمام، وفي قدرتها على جعل التفوق العلمي مناسبة يحتفي بها المجتمع. وهذا في حد ذاته استثمار في الإنسان، فالطالب أو الطالبة حين يرى أن مجتمعه يحتفي بتفوقه ويكرمه أمام أسرته ومجتمعه، فإن ذلك لا يمثل تكريمًا لإنجاز مضى فحسب، بل هو حافز لإنجازات قادمة، ورسالة إلى بقية الأجيال بأن العلم والاجتهاد والتميز قيم تستحق الاحتفاء.

ومنطقة عسير تزخر بمحافظات أنجبت أعدادًا كبيرة من الأكاديميين والعلماء والقضاة والمثقفين والمبدعين وأصحاب الكفاءات في مختلف المجالات، إلا أن ما يميز تجربة طريب هو نجاح أبنائها في تحويل فكرة التكريم إلى مبادرة مؤسسية مستمرة، استطاعت أن تصمد وتتطور وتحافظ على حضورها خمسة عشر عامًا. وهذه قيمة تستحق أن يشار إليها بالبنان.

ومن هنا، فإن نجاح الجائزة وتميزها يفتحان أمام القائمين عليها آفاقًا أوسع للمستقبل. ولعل من المقترحات التي يمكن النظر فيها دراسة تخصيص فرع أو أكثر من فروع الجائزة لأبناء منطقة عسير، وفق مجالات ومعايير محددة، سواء في الإنجاز العلمي أو البحثي أو الابتكار أو غيرها من مجالات التميز، بما يوسع دائرة أثر الجائزة، ويمنحها حضورًا أكبر على مستوى المنطقة، مع المحافظة في الوقت نفسه على هويتها وارتباطها بمحافظة طريب التي انطلقت منها وحملت اسمها.

إن الانتقال بالجائزة إلى أفق أوسع لا يعني التخلي عن هويتها المحلية، بل على العكس، قد يكون امتدادًا لنجاح هذه الهوية؛ فكم من المبادرات انطلقت من مكان محدد ثم اتسع أثرها حتى أصبحت نموذجًا يحتذى به. وطريب، بما قدمته خلال هذه السنوات، قادرة على أن تجعل من جائزتها نافذة أوسع للاحتفاء بالعلم والتميز والإبداع.

كما أن مرور خمسة عشر عامًا على انطلاق الجائزة يمثل محطة تاريخية مناسبة لإعداد إصدار توثيقي شامل يؤرخ لهذه المسيرة منذ بدايتها؛ إصدار لا يقتصر على سرد أسماء المكرمين أو نشر الصور، وإنما يوثق فكرة الجائزة ونشأتها وتطورها، والقائمين عليها، والداعمين لها، والمكرمين والمكرمات في دوراتها المختلفة، وأبرز محطاتها، وأثرها العلمي والاجتماعي، مع تضمينه قصصًا مختارة لمن صنعت الجائزة في مسيرتهم حافزًا أو ذكرى أو نقطة انطلاق.

وأرى كذلك أن من المناسب إنشاء أرشيف ورقي ورقمي متكامل لجائزة طريب للتفوق العلمي، تُجمع فيه وثائقها وصورها وأفلامها وتقاريرها الصحفية وبيانات دوراتها وأسماء المكرمين والداعمين منذ تأسيسها، وأن يُقام في إطار معرض دائم يكون مقصدًا للزوار والباحثين والمهتمين، ويوثق جانبًا من تاريخ محافظة طريب ومسيرة التعليم فيها، إلى جانب توثيق تاريخ الجائزة ومراحل تطورها.

فالذاكرة المؤسسية لا ينبغي أن تبقى موزعة بين الروابط والمنصات والملفات الشخصية، بل ينبغي جمعها وحفظها وإتاحتها في إطار منظم يليق بتاريخ الجائزة، وبالمكان الذي انطلقت منه، وبأبناء المحافظة الذين أسهموا في تأسيسها، والقائمين عليها، والعاملين على نجاحها واستمرارها.

إن ما تحقق خلال خمسة عشر عامًا ليس قليلًا، وما يستحق الثناء أكثر هو أن هذا النجاح كان ثمرة جهود متراكمة شارك فيها رجال آمنوا بأهمية العلم، وداعمون أدركوا أن أفضل صور العطاء هي الاستثمار في الإنسان، وأسر دفعت بأبنائها وبناتها إلى ميادين التفوق، وطلاب وطالبات جعلوا من الاجتهاد طريقًا للنجاح.

وما شهدته الدورة الخامسة عشرة من تكريم سبعة وأربعين متفوقًا ومتفوقة، إلى جانب الفائزين والفائزات في مسابقتي حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية، يؤكد اتساع رسالة الجائزة وتنوع مجالاتها، ويمنحها أساسًا قويًا للانتقال إلى مرحلة جديدة من التطوير.

والثناء هنا يمتد إلى كل من أسهم في هذه المسيرة منذ بدايتها: إلى مؤسسي الجائزة، ورؤساء وأعضاء مجالسها، وداعميها، والعاملين عليها، وكل من قدم لها فكرة أو جهدًا أو وقتًا أو مالًا. كما أن ما تحظى به من رعاية صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز، أمير منطقة عسير، يعكس ما يوليه سموه من اهتمام بالعلم والإنسان والمبادرات المجتمعية النوعية.

وختامًا، فإن جائزة طريب للتفوق العلمي، بعد خمسة عشر عامًا من التميز والعطاء، تقف اليوم أمام فرصة جديدة: أن توثق ماضيها، وتبني على نجاح حاضرها، وتتطلع إلى مستقبل أوسع. فالمبادرات الناجحة لا تتوقف عند حدود ما حققته، بل تجعل من نجاحها نقطة انطلاق لنجاحات أكبر.

وللقائمين على الجائزة وأهل طريب جميعًا خالص التقدير؛ فقد قدموا نموذجًا يؤكد أن المجتمعات التي تحتفي بالعلم، وتحفز أبناءها على التفوق، وتحفظ ذاكرة منجزاتها، هي مجتمعات تبني مستقبلها بوعي وثقة.

خمسة عشر عامًا من التميز، كان استمرارها أحد أبرز شواهده، والأمل أن تكون بداية لمسيرة أطول، وأثر أوسع، وعطاء يتجدد عامًا بعد عام.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى