أهمية القراءة في الشعر والفن

✍️ د. طارق السكري :
تدخل بيتا واسعا على جدرانه أوراق الورد وعلى حوافه القمريات ، والزخارف تكاد مِن على الطاولات والآرائك تنادي ..
الجو يعبق بالبخور .. كل شيء في مكانه .. فتشعر بأنس وراحة ..
كما لو أنك البحتري أمام بركة المتوكل :
يا دِمنةً جاذبتها الريحُ بهجتَها
تَبيتُ تنشرها طوراً وتطويها
لا زلتِ في حُللٍ للغيث ضافيةٍ
يُنيرها البرق أحياناً ويُسديها
يقول : إن النظر في هذه الدمنة المغمورة بالحسن والجمال .. تترك في النفس ظلال بهجة .. وترسم على الوجوه نضارة وبسمة.
وكذلك القلب حين تزخرفه بأبيات الشعر الممتازة .. وتزين جدرانه بمحاسن الحكمة والقول .. وتنعم على مسامعه بأصوات النغم الرفيع .. تظل روحك وخيالك يمتحان مما رصعت ودبجت فتجد لك عونا على السرور بل وعلى الكلام والتعبير .
خذها مِن الشِّعر ما لو كنتَ في ضَجَرِ
علَّقتَ بالسَّمع ما يُغينك عن وَتَرِ
كانت لدي في صغري مشكلة تتعلق بنطق حرف الراء !
وكان لدي زميل في المدرسة اسمه أنور سيف عبد الله العديني ..
لا أزال أحتفظ باسمه لأن علاقتنا كانت مستمرة خارج المدرسة لسنوات .. في الحرم المكي وفي بيتنا وفي بيتهم وفي سوق الحَمَام إلخ .
كنت كلما نطقت حر الراء يصلح لي النطق .. يسخر .. يتنمر .. يواسي .. يشجع .
في كل يوم وجبة ( جدم ونفخ ) حتى تغلبت على مشكلتي .
يقول الجاحظ في كتابه البيان والتبيين : الصمت يقتل البيان . وهو يقصد أولئك الذين يقرؤون قراءة صامتة لساعات طويلة .. وعكس ذلك القراءة بصوت مرتفع ، فإنها تكسب البيان .
تذكرت وأنا أكتب أبياتا للمتنبي وهو يصف ممدوحا له بفصاحة الكلام تشبيها له بالدُّر :
بياض وجهٍ يريك الشمسَ حالكةً
ودرُّ لفظٍ يريك الدُّرَّ مُخشلبا
ويوما في مجلس سيف الدولة وقد أغرى به الشعراءُ حسداً ، فقال تلك الشهيرة والتي يعتد فيها بفصاحة الكلمة وبلاغة المعنى:
بأيّ لفظٍ تقول الشعر زِعنفةٌ
تجوز عند لا عرب ولا عجمُ؟
هذا عتابك إلا أنه مِقةٌ
قد ضُمِّن الدرَّ إلا أنه كَلِمُ
ويفخر كعربي بفصاحته:
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت
وإذا نطقتُ فإنني الجوزاءُ
في تصوري أن الأساس من وجودنا في هذه الحياة هو الحِجاج لا على سبيل القهر والغلبة .. بل على سبيل السُّخرة والمحبة والتعاون .. كي نبدع ونبتكر.
والحِجاج عماده : العقل واللسان .
فالعقل يغذى بالدِّراية .. واللسان بالرواية .
العقل بالتجارب والمعارف .. واللسان بالدربة على الطلاقة .
وكلاهما زينة للإنسان وتجمّل .
من أجل هذا كانت صاحبة كتاب وجوه العبقرية الخمسة للكاتبة آنيت موزر – رغم أنه كتاب في الإدارة والمؤلفة مستشارة إدارية كبيرة إلا أنها في هذا الكتاب- تدعو المدراء وأصحاب الإدارة والمشاريع إلى القراءة في الشعر والرواية والسماع للموسيقى ..
ربما يستغرب منها هذا الكلام !
لكنها جادة ومقنِعة .. فكل إداري هو بحاجة إلى عقلية إبداعية عقلية نشطة عقلية مبتكرة .. ولأن العقل يتأثر بما يركز عليه ويتأثر بما يحيط به..كتأثر الجسم بما يتناوله من طعام وشراب..
إن الإدارة عبارة عن تخطيط وضوابط صارمة، يتأثر العقل بها بحكم العادة ، فيصبح العقل على المدى الطيول رياضيا رقمياً جافاً .. لا عاطفة ولا خيال.
وكل من عمل في الإدارة أو المحاسبة يعلم ذلك ..
ومنبع الخيال الملهم القوي عند الشعراء والأدباء والموسيقيين .
هكذا تقول بالمعنى صاحبة كتاب وجوه العبقرية الخمسة .
وكذلك تجري على نفس المنوال صاحبة كتاب مصيدة التشتت فرانسيس بوث .. ” إن المبدعين هم صنّاع العالم”.
المبدعون هم أصحاب الخيال الواسع .. ومنبع الخيال الشعر والموسيقى .
كل البشر على وجه هذه الأرض شغلهم الشاغل هو الحجاج .
الأنبياء والرسل
أصحاب الدعوات
أصحاب الفكر والأدباء والأحزاب السياسية
وأنت في المدرسة والبيت والجامعة وسوق العمل في العلاقات والصداقات والعداوات .. في التفاوض والحوار والتأثير والإقناع ..
في كل ذلك يحتاج الإنسان إلى اللباقة وطلاقة اللسان .
الأقوى حجة والأجمل هو من ينتصر .. والأضعف أقل قيمة إنتاجية.
وعكس ذلك الحرج والضعف وهما يستعاذ منه .
يذكر الجاحظ في كتابه البيان والتبيين في باب عيوب البيان : ( العَي )
يستفتح فيقول :
“اللهمّ إنّا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلّف لما لا نحسن كما نعوذ بك من العجب بما نحسن، ونعوذ بك من السّلاطة والهذر، كما نعوذ بك من العيّ والحصر. وقديما ما تعوذوا بالله من شرهما وتضرعوا إلى الله في السلامة منهما.
وقد قال النّمر بن تولب:
أعذني ربّ مِن حَصْر وَعَيٍّ … ومن نفس أعالجها علاجا”.
والحصر انقطاع الكلام ، والعي عدم القدرة على التعبير .. نسأل الله السلامة والعافية .
لا أزال أذكر شرح أستاذ التربية الإسلامية لحديث نبوي يتعلق بهذه الجزئية مِن أن الفصيح هو الأغلب في الحِجاج :
يقول صلى الله عليه وسلم: ( إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّه يَأتيني الخَصمُ، فلَعَلَّ بَعضًا أن يَكونَ أبلَغَ مِن بَعضٍ، أقضي له بذلك وأحسِبُ أنَّه صادِقٌ، فمَن قَضَيتُ له بحَقِّ مُسلِمٍ فإنَّما هي قِطعةٌ مِنَ النَّارِ، فليَأخُذْها أو ليَدَعْها ) صحيح البخاري
لا شك أن للحديث فوائد وحكم كثيرة يمكن الرجوع إلى شراح الحديث .. لكني أقف عند قوله صلى الله عليه وسلم ( لعل بعضا أن يكون أبلغ من بعض ) بمعنى أن يكون أحد المتخاصمين ” أحسَنَ إيرادًا للكَلامِ، وأَقْدَرَ على الحُجَّةِ والبَيِّنةِ، وأدفَعَ لِدَعوى خَصْمِه، فأظُنُّ لفصاحتِه ببيانِ حُجَّتِه أنَّه صادِقٌ، فأَقْضِي له بما زعَمَه من الحُجَجِ” والرسول صلى الله عليه وسلم بشر .
كيف تتكلم وتقنع وتنافح عن هويتك ووجودك وكرامتك .. كيف تحصن نفسك من الذوبان والتبعية .. كيف تدعو وترسخ قيم الخير والوعي ؟
جدير بك أن تكلف بجمع قطوف الحكمة من القرآن والسنة وعيون الشعر والقصص والروايات .. وأن تحفظها وتترنم بها ترنم الطير بأغاريده .. كي لا يضيع حقك على يد من هو ألحن منك .
كنت أقرأ قبل أيام في كتاب الغريزة والثقافة لسيغموند فرويد ، يقول عن العقل أن العقل إذا ركز على شيء استطاع أن يوظف ويحشد كل قوى الإبداع النفسية كي يحصل عليه .
ولأن اللغة العربية مستودع الجمال الخلاق الفريد .. فهي كذلك تحمل من ورائها جمال النفس العربية .. وهمتها العالية في المروءة وتربيتها على مكارم الأخلاق .. وقوة الشخصية والثقة بالنفس وحسن القيادة .
فكل من ركز على الأدب وأعطى الأدب شعرا ونثرا اهتماما قوياً جاشت نفسه بتلك المعاني القيمة .. وجرت على لسانه بدائع البدائه لياقة ولباقة.
نسأل الله من فضله .. فهو رب البيان .. الوهاب المانح :
( علّمه البيان )
( وقل لهم في أنفسهم قولا بليغاً ) أي يبلغ منهم مواقع التأثير في نفوسهم .
( وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني .. ) ، ( واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ).



