كتاب الرأي

مجالسنا بين حكمة الكبار وفوضى المنصات!!

✍️أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي _ كَاتِبٌ سَعُودِيٌّ :

كان للمجلس في ثقافتنا العربية هيبةٌ تصنعها السنون والتجارب. لم يكن يتصدر الحديث فيه إلا من جاوز الأربعين، لا للعمر في ذاته، بل إيمانًا بأن الأيام تنضج العقول، وأن المواقف تصقل الآراء. كان الصمت آنذاك فضيلة، والكلام محسوبًا يمر على مصفاة التأني والخبرة قبل أن يُلقى على الأسماع. فمن تكلّم أُنصت إليه؛ لأن لفظه وليد دراية، وسكوته أبلغ من حديث غيره. وكان الفتى إذا حضر مجلس الرجال جلس حيث ينتهي به المجلس، يسمع أكثر مما يتكلم، حتى إذا استوى عوده واختبرته الحياة، أذنوا له بالحديث.
أما اليوم فقد تبدلت الحال. لم تعد المجالس محصورة في أركان البيوت ودواوين الرجال، بل اتسعت حتى غدت كل شاشة مجلسًا، وكل منصة ديوانًا. بات الجميع يدلي بدلوه، ويعرض رأيه مبادرًا من نفسه من غير أن يُسأل. لقد أسقطت وسائل التواصل أسوار الأربعين، وفتحت الأبواب على مصاريعها للغث والسمين، للعالم والجاهل، للحكيم والمتحمس. صار المقياس هو سرعة التعليق لا دقة المعلومة، والجرأة على الطرح لا الرسوخ في الفهم.
وهنا يكمن الخلل. إن كثيرًا من الآراء اليوم تولد من رحم اللحظة: ردة فعل وعاطفة، غضب عابر من خبر عاجل، أو عاطفة جامحة تجاه مقطع مؤثر، أو هوى متقلب مع “ترند” اليوم. تُنشر دون تثبت، وتُتداول دون مراجعة. آراء مجردة من التجربة، خالية من الخبرة، فتأتي بلا طعم ولا رائحة، سمجة إن صح التعبير. يغيب عنها العمق، ويغلب عليها التسرع، فتُبنى المواقف على كلمات لم توزن، وتُصاغ الأحكام من أفكار لم تنضج. نرى ذلك في قضايا مصيرية؛ تُحسم في تعليقات، وتُشوه سمعة أفراد بتغريدة، ويُفتى في الطب والدين والاقتصاد ممن لم يقرأ كتابًا واحدًا في الباب. يكفي أن نعلم أن 95 مليون صورة وفيديو تُنشر يوميًا على منصة واحدة، وأن 500 مليون تغريدة تكتب كل يوم، فكم منها رأي ناضج يستحق الإنصات؟ وكم منها صدى فارغ لصوت عال؟
ولست أعترض على كلام الشباب، فالحكمة ليست وقفًا على سن. أسامة بن زيد قاد جيشًا وفيه كبار الصحابة وهو ابن ثماني عشرة سنة. والتاريخ يزخر بنوابغ لم يبلغوا العشرين. إنما اعتراضي على أن يغدو الكلام غاية في ذاته، وأن تُستبدل هيبة الرأي بخفة المنشور. لقد أصبح معيار التصدر هو القدرة على حشد الإعجاب، ولو كان المضمون خواء. وصار “المؤثر” هو من يصرخ لا من يعقل، ومن يُشعل الجدل لا من يُطفئ الفتنة.
فمتى تعود للمجالس هيبتها؟ تعود حين نعيد الاعتبار لقيمة “الصمت حتى يُسأل”، كما قال الشافعي: “إذا نطق السفيه فلا تجبه… فخيرٌ من إجابته السكوت”. تعود حين نميز بين حرية التعبير وفوضى التعبير. وارى طريق العودة يبدأ بثلاث: أولًا، دور الأسرة في غرس أدب المجلس وهيبة الكلمة، وأن “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت”. ثانيًا، دور مؤسسات التعليم في ترسيخ “أخلاقيات النشر” وأن الرأي أمانة قبل أن يكون حقًا، وأن يُدرّس الطالب كيف يفكر قبل أن يُطلق للقول. ثالثًا، مسؤولية المنصات نفسها في إبراز المحتوى الرصين لا المحتوى الصاخب، وفي إعطاء وزن للخبرة لا للضجيج.
وتعود هيبة الحكماء حين يترفع المجتمع عن تمجيد “المتداول” على حساب “الصواب”. حين ننصت لمن شابت نواصيهم في الميادين، لا لمن علت أصواتهم في المنصات. وحين تدرك المنصات الرقمية أنها ليست بديلًا عن المجالس، بل امتداد لها، ينبغي أن تسري عليها القيم ذاتها: التثبت، والتروي، واحترام الخبرة، وتقدير الصمت.
إن المجالس لا تموت، لكن هيبتها تُستنزف. وإنقاذها يبدأ بأن نعيد للحكمة سلطانها، وللكلمة وزنها، وللصمت منزلته. فليس كل من امتلك هاتفًا امتلك رأيًا، وليس كل رأي جديرًا بأن يُقال، وليس كل من صرخ كان على حق.

للتواصل مع الكاتب:[email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى