كتاب الرأي

نَحِيبُ عَرْعَرَةٍ

     ✍️ محمد آل مشافع – كاتب سعودي :

حينما كنتُ أقفُ على قمة السودة، أتأمل الأفق الغربي وقد اكتسى بألوان الغروب الساحرة، كانت خيوط الشمس الذهبية تنسج لوحاتٍ بديعةً بين طيات الضباب المتهادي فوق الجبال، فتمنح المكان هيبةً وسكونًا يبعثان في النفس طمأنينةً عميقة.

وبينما كنتُ مستغرقًا في ذلك المشهد الآسر، تناهى إلى سمعي صوتٌ خافتٌ يشبه الأنين ، فتوقفتُ برهةً أحاول تمييز مصدره، وأدرتُ بصري في الجهات كافة، فلم أرَ إنسانًا قريبًا يمكن أن يكون صاحب ذلك الصوت. غير أن الأنين ظل يتردد في المكان، يزداد وضوحًا كلما أصغيت إليه.

دفعني الفضول إلى تتبع مصدره، فسرتُ بين أشجار العرعر العتيقة التي طالما احتضنت جبال السراة، حتى انتهى بي المطاف إلى شجرةٍ معمرةٍ شامخة، بدت وكأنها شاهدةٌ على قرونٍ من الزمان.
وهناك أدركت أن الصوت يخرج منها؛ وأنه لم يكن حديثًا ولا همسًا، بل كان نحيبًا حزينًا يفيض بالألم والعتاب.

اقتربتُ منها وقلت:

— أيتها العرعرة الوادعة، يا زينة الجبال ورفيقة الأجيال، ما الذي أبكاك؟

فأجابت بصوتٍ متقطعٍ تختلط فيه الحسرة بالحنين:

— أبكاني جفاءُ القلوب بعد الأُلفة، والنسيان بعد الصحبة. كيف انشغل الناس بكل جديد، وغفلوا عمّن كانت لهم جارةً ورفيقةً عبر السنين؟ أما كنتُ شاهدةً على حياة آبائكم وأجدادكم؟ أما كانت ظلالي مجلسهم، وأغصاني مأواهم، وعبيري أنيسَ أيامهم؟

قلتُ لها مواسيًا:

— ومن ذا الذي ينكر فضلك؟ فمن خشبك شُيّدت السقوف، ومن عبيرك تعطرت المجالس، وتحت ظلالك استراح المسافرون، وعلى أغصانك لهو الأطفال، وبين جنباتك نُسجت ذكريات لا تُنسى. إن مكانتك في الوجدان محفوظة، وفضلك معروف.

تنهدت العرعرة طويلًا، ثم قالت:

— كان الصيف موسم أفراحنا وكانت نهايات الأسابيع أعيادًا لنا.
كنتم تأتون أفرادًا وجماعات تملؤون المكان حياةً وحديثًا وضحكات ، كنا أنا وجاراتي من أشجار العرعر نتباهى بكثرة من يستظل بنا ويأنس بقربنا، وكان أكثر ما يسعدنا أنكم قبل رحيلكم تسقون جذورنا بما تبقى معكم من الماء، وكأنكم تردون بعض الجميل لمن أحبكم.

ثم تغيّر كل شيء.

أحطتمونا بالأسوار، وابتعدتم عنا شيئًا فشيئًا، حتى طال الغياب ومرت الأعوام ثقيلةً علينا فلا نرى وجوهكم ولا نسمع أصواتكم ولا نشعر بخطوات أطفالكم حولنا ، بقينا نتساءل في حيرة: ماذا فعلنا حتى يُهجر ودُّنا ويُنسى عهدُنا؟

سكتت قليلًا وكأنها تسترجع سنوات الوحدة ثم أطرقت أغصانها في صمت.

فقلت لها بثقة:

— يا حبيبة الجنوب، ويا تاج جبال عسير، لا تحزني إن عهد الوفاء لم ينقطع وإن تأخر. ستعود إليك الخطى من جديد وسيأتيك الزوار أفواجًا، يحملون لك المحبة التي تستحقينها ، وستحظين بالرعاية والسقيا والعناية كما يليق بكِ وبمكانتك وستبقين رمزًا للطبيعة العسيرية وشاهدةً على تاريخ المكان وذاكرته.

وما إن انتهيت من حديثي حتى خفّ ذلك النحيب، وانفرجت أغصان العرعرة كأنها تبتسم، ثم عمّ السكون أرجاء المكان وعادت الطمأنينة ترفرف فوق القمم.

وقفتُ أتأملها للحظات ثم أيقنت أن الأشجار وإن لم تنطق بألسنتنا فإن لها لغةً يفهمها من يُحسن الإصغاء؛ لغةً تروي حكايات الوفاء وتحفظ ذاكرة الأرض وتُذكّر الإنسان بأن الجمال الذي يهمله اليوم قد يكون أكثر ما يفتقده غدًا.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى