الثقة بالله… حين يطمئن القلب إلى أقدار الله

✍️ صفيه ملا – كاتبة سعودية :
توجد مرحلة من النضج لا ترتبط بالسنوات، ولا تُنال بالشهادات، ولا تصنعها التجارب وحدها؛ إنها اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن زمام الحياة لم يكن يوماً بيده كما كان يظن. حينها يكتشف أن كثيراً مما سعى خلفه لم يكن من نصيبه، وأن كثيراً مما خافه لم يكن ليصيبه، وأن أبواباً أُغلقت في وجهه كانت في حقيقتها أبواب نجاة، وأن دموعاً ظنها نهاية الطريق كانت بدايةً لمسارٍ أكثر رحمةً وقرباً من الله.
ومن أكثر الأوهام التي تُرهق القلب ظنُّ الإنسان أن حياته معلقة بقدرته، وأن رزقه رهين بذكائه، وأن مستقبله محكوم بخططه، وأن نجاحه أو فشله مرهون بجهده وحده. وحين يترسخ هذا الوهم، تتحول الحياة إلى ساحة قلق لا تنتهي؛ فيخاف الإنسان من الغد ظناً منه أنه المسؤول عنه، ويرتعب من ضياع الفرص اعتقاداً بأنها لا تعود، ويحزن على ما فاته موقناً بأنه كان يمكن أن يكون ملكاً له.
نعيش أعمارنا وكأننا نمسك بزمام الحياة؛ نخطط، ونرتب، ونتوقع، ونحسب، فإذا جاءت الأقدار بما لا تشتهي سفننا، ظننا أن خللاً قد أصاب المسير، بينما الحقيقة أن كل شيء يجري وفق تدبير الله منذ الأزل، وبعلمه، وإرادته، وحكمته. فلا وجود لحدثٍ عابر في حياة المؤمن، ولا لمصادفة بلا معنى، ولا لابتلاءٍ يخلُ من حكمة، ولا لرزقٍ بغير تقدير. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [سورة الحديد: 22]. ولقد كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما أخبر النبي ﷺ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» (رواه مسلم،2653).
إذا كان الأمر كذلك، فما الداعي لكل هذا القلق في قلبك؟
إن أكثر ما يُنهك الإنسان ليس وقوع المصيبة في حد ذاته، بل مقاومته لفكرة حدوثها. لذا، نجد البعض يغرقون لسنوات في صراع مع أحداثٍ مضت وانقضت، وكأنهم يسعون لإعادة كتابة أقدارٍ خطّها الله بيده؛ فيظلون حبيسي التساؤلات:
لو أنني فعلت كذا…
لو أنني لم أفعل كذا…
لو أنني اخترت طريقاً آخر…
وينسون أن الله تعالى قال: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (سورة التغابن:11) ولم يقل: يهد طريقه، أو يهد ظروفه، أو يهد رزقه. بل قال: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. لأن أعظم الهدايات ليست في تغيير مجريات الأحداث، بل في بلوغ الطمأنينة تجاهها. ففي رحلة الحياة الطويلة، كثيراً ما يقف الإنسان أمام أبواب مغلقة، وأحلام مؤجلة، وأوجاع لم تكن في الحسبان، وأرزاق ظن أنها قريبة فإذا بها تتأخر، أو بعيدة فإذا بها تأتيه من حيث لا يحتسب.
لكن الإيمان يعلمنا حقيقة مختلفة تماماً، وهي إن الحقيقة تبدأ من السماء لا من الأرض، ومن قدرة الخالق لا من قدرة المخلوق؛ فالرزق قبل أن يتجسد مالاً في يدك، كان قدراً خطّه الله لك، وقبل أن يكون وظيفةً أو تجارةً أو مكسباً، كان علماً في خزائن الغيب، وقبل أن تسعى إليه بخطواتك، كان علم الله به قد سبق وجودك منذ الأزل. قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [سورة هود: 6].
وفي خضم هذه التقلبات، يظل السؤال الذي يتردد في القلوب: كيف يزداد يقين الإنسان بأن كل ما يصيبه هو بقدر الله؟ فما قُدِّر له سيأتيه حتماً ولو اجتمعت الدنيا على منعه، وما لم يُكتب له فلن يناله مهما بذل من أسباب.
إن المؤمن الحقيقي لا يرهق نفسه بالبحث عن تفسير لكل قدر؛ فهو يدرك أن العقل البشري محدود، وأن حكمة الله أسمى من أن تُدرك. فكم من أمرٍ بدا في ظاهره شراً، ثم تبين بعد حين أنه عين الخير، وكم من أمنية تحققت فكانت سبباً للشقاء، وكم من دعوة تأخرت فكان تأخيرها رحمة، وكم من خسارة كانت في حقيقتها أعظم أبواب العطاء.
فنحن لا نرى من الأقدار إلا جزءاً يسيراً، بينما يراها الله سبحانه من عليائه كاملةً متصلةً ومترابطة. ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: 216). إن كلمة “عسى” في هذا السياق ليست مجرد وعد بالخير، بل هي دعوة للتواضع أمام علم الله المطلق؛ فهي توجه الإنسان ألا يتعجل الحكم على مجريات حياته، فبينما يرى هو اللحظة الراهنة، يرى الله العمر كله بماضيه وحاضره ومستقبله. أنت ترى صفحة واحدة، والله يرى الكتاب بأكمله، وأنت ترى الألم، والله يرى الثمرة التي ستولد من رحم هذا الألم.
إن الله يحيط علماً بما نعلم وما نجهل، ويرى ما نحب وما قد يضرنا، وما نكره وما فيه نفعنا. لذا، فإن من كمال العبودية أن نثق بحكمة الله حتى حين نعجز عن إدراك أسبابها؛ فالرزق لا يضيع، وما كُتب لك سيأتيك في وقته المقدر، وما لم يُكتب لك فلن تناله مهما بذلت من أسباب.
ومن الحقائق العميقة التي يغفل عنها الكثيرون أن السعي ذاته جزء من القدر، إذ يظن البعض خطأً أن الإيمان بالقدر يعني التواكل وانتظار الأشياء حتى تأتي دون عمل. وهذا فهم ناقص. قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [سورة النجم: 39-40].
إن المزارع الذي يحرث أرضه، والطالب الذي يجتهد في دراسته، والمريض الذي يسعى للعلاج، والأم التي تدعو لولدها؛ جميعهم يجسدون في مسعاهم تحقيق قدر الله. فالله -سبحانه- لم يكلفنا بصناعة النتائج، بل أمرنا بالأخذ بالأسباب، وترك النتائج لمشيئته وإرادته؛ فوظيفة الإنسان هي السعي، أما النتائج فهي من تقدير الله وحده. ولهذا قد يتساوى اثنان في العمل والسعي، فيُفتح لأحدهما ويُحجب عن الآخر، ليس لتقصير في الجهد، بل لحكمة بالغة يعلمها الله. وحين يستوعب الإنسان هذه الحقيقة، يتحرر من قيد التعلق بالنتائج، ويخلص في عبادة السعي والطاعة. ولهذا كان النبي ﷺ يقول: «المُؤمِنُ القويُّ خيرٌ وأحَبُّ إلى اللهِ مِن المُؤمِنِ الضَّعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ، احرِصْ على ما ينفَعُكَ، ولا تَعجِزْ، فإنْ غلَبَكَ أمرٌ فقُلْ: قدَرُ اللهِ وما شاءَ فعَل، وإيَّاكَ واللَّوَّ؛ فإنَّ اللَّوَّ تفتَحُ عمَلَ الشَّيطانِ» (متفق عليه). ووازن بين الحرص والتوكل، وبين العمل والرضا، وبين السعي والتسليم؛ فهذه هي المعادلة الإيمانية التي تحرر الإنسان من وطأة القلق.
إن أجمل ما في الثقة بالله أنها تملأ قلبك بالأنس وتنتزع منه شعور الوحدة، لتغمرك السكينة؛ فأنت لا تواجه الحياة بمفردك، ولا تحمل همومك وحدك، ولا تدبر أمورك بذاتك. هناك ربٌ رحيم يدير شؤون الكون بأسره، ومع ذلك يسمع دعاءك الخافت في جوف الليل، ويعلم مخاوفك قبل أن تنطق بها، ويدرك انكسارك قبل أن تبوح به لأحد، ويرى دمعتك التي خفيت على الناس، ويعلم ما يصلحك وما يفسدك. لقد أخبر النبي ﷺ عن هذه الحقيقة العظيمة حين قال لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «اعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ» (رواه الترمذي وصححه الألباني). ما أعمق هذا المعنى! فلا رزق فاتك بسبب منع أحدٍ لك، ولا نجاح خسرتَه لأن غيرك سبقك إليه، ولا فرصة ضاعت منك بسبب سوء الظروف؛ فكل ما يجري هو من أقدار الله التي تتجلى فيها حكمته ورحمته وعلمه.
فكيف لا يطمئن قلبٌ يؤمن بهذا الرب؟
الطمأنينة لا تكمن في معرفة ما يحمله الغد، بل في الثقة بمن بيده مقاليد الغد. والراحة ليست في محاولة السيطرة على الأقدار، بل في التسليم التام لرب الأقدار. وإن أعظم درجات اليقين أن ينطق العبد بقلبٍ راضٍ قبل لسانه: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة التوبة: 51]. وحين يبلغ القلب هذه المنزلة، تتبدد مخاوفه وتتلاشى أحزانه، يغمره يقينٌ بأن ما مضى كان بعلم الله، وأن ما سيأتي هو تحت رعايته، فالله سبحانه لا يختار لعبده المؤمن إلا الخير، حتى وإن غابت الحكمة أو خفيت أسرار القدر عن إدراكه.
ولو تأمل المرء في مسيرة حياته، لأدرك أن أعظم النعم التي نالها لم تكن وليدة تخطيطه المحكم؛ فمن الذي اختار لك والديك؟ ومن الذي حدد وطنك؟ ومن الذي ساق إليك أشخاصاً غيروا مجرى حياتك؟ ومن الذي فتح لك أبواباً لم تكن تعلم بوجودها، وأوصد دون رغباتك أبواباً ظننت أن سعادتك تكمن خلفها؟ إنها عناية الله؛ يدُ الرحمن التي ترعى شؤونك في صمت، بينما تتوهم أحياناً أن زمام الأمر كله بيدك. ولذا، فإن أعظم ما يحرر الإنسان من القلق هو إدراك الفرق الجوهري بين السعي والرزق.
إن الرزق أمرٌ إلهي، بينما السعي واجبٌ إنساني؛ فالرزق بيد الله وحده، أما السعي فهو اختيار العبد ومسؤوليته. ولأن الله هو مقدّر الأرزاق، فإنه لن يحاسبنا يوم القيامة عن مدى ثرائنا، ولن يسأل الأنبياء عن حجم ما جمعوه من أموال، كما أن النجاة عنده لا ترتبط بالمكاسب الدنيوية. إنما سيكون الحساب على العمل، والنية، والأمانة، والأخذ بالأسباب. قال تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [سورة النجم: 39]. تلك آيةٌ جليلةٌ تُعيد صياغة علاقة الإنسان بالحياة؛ فالله -عز وجل- لم يُحمّلك مسؤولية النتائج، ولا السيطرة على الغيب، ولا فتح الأبواب الموصدة، بل جعل تكليفك مقتصراً على السعي والعمل.
أن تمضي في الحياة بعزيمة الساعي وطمأنينة المتوكل، مدركاً أن لكلٍ منكما وظيفة؛ فوظيفتك هي السعي والطرق على الأبواب، ووظيفة الرحمن هي التدبير وفتح ما يشاء من أبواب أو إغلاقها. وظيفتك الدعاء، ووظيفة الرحمن الإجابة في الوقت وبالطريقة التي تقتضيها حكمته البالغة. وحين يستوعب الإنسان هذه الحقيقة الجليلة، يتحرر من أثقل قيود الدنيا: الخوف من المستقبل؛ لعلمه بأن أمره بيد رب رحيم، والحزن على الماضي؛ لإدراكه أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، والتعلق المفرط بالأسباب؛ لتيقنه بأن وراء كل سببٍ مسبب الأسباب.
وعندها فقط يدرك الإنسان ذلك اليقين الذي عاش به الصالحون من قبلنا؛ وهو أن الرزق ليس مكافأةً على القوة، ولا جائزةً للذكاء، ولا ثمرةً للسعي وحده، بل هو فيضٌ من رحمة الله، أما النتائج فهي من تدبيره سبحانه. ولهذا كان الأنبياء -عليهم السلام- يأخذون بالأسباب مع يقينهم المطلق بالله؛ فنوح -عليه السلام- صنع السفينة بيديه، رغم أن الله قادرٌ على إنجائه من دونها، قال تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (سورة هود:38). ومريم عليها السلام هزت جذع النخلة وهي في أشد حالات ضعفها، مع أن الله قادر أن ينزل عليها الرطب دون أن تتحرك. قال تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [سورة مريم: 25].
لم يكن اهتزاز الجذع ناتجاً عن قوة امرأة أنهكها المخاض، بل أراد الله أن يضرب للبشرية مثلاً خالداً؛ وهو أن الأخذ بالأسباب عبادة، حتى وإن كانت النتائج بيد الله وحده. ومن هنا ندرك أن السعي ليس مجرد وسيلة للرزق، بل هو طاعة لله، أما الرزق في حد ذاته فهو هبة منه سبحانه. وقد أخبر النبي ﷺ بهذه الحقيقة العظيمة فقال: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعِي، أنَّ نفسًا لَن تموتَ حتَّى تستكمِلَ أجلَها، وتستوعِبَ رزقَها، فاتَّقوا اللهَ، وأجمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحمِلَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرِّزقِ أن يطلُبَه بمَعصيةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ تعالى لا يُنالُ ما عندَه إلَّا بِطاعَتِهِ» (رواه ابن اليمان وصححه الألباني).
سينال المرء رزقه كاملاً غير منقوص، فلا يسلبه أحد، ولا يمنعه حاسد، ولا يعطله منافس، وما تأخره إلا لحكمة بالغة. إن الكثير من الناس يرهقون أنفسهم بمقارنة أرزاقهم بأرزاق غيرهم، غافلين عن أن الله لم يقسم الأرزاق إلا بحكمة وعدل. قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ﴾ [سورة الزخرف: 32]. فاللهُ هو الذي قسّم الأرزاق ووزعها، وهو وحده العليمُ بمواضعِ السعةِ ومواقعِ التضييق؛ فكثيرٌ مما نراهُ حرماناً قد يكون في حقيقتهِ رحمةً، وما نحسبه تأخيراً قد يكون إعداداً، وما نظنه فقداً قد يكون حمايةً ووقاية.
لذا، حين تشتدُّ الأيامُ على المؤمن، لا يسألُ: “لماذا حدث هذا؟”، بل يتساءلُ: “ماذا يريدُ اللهُ أن يعلمني من هذا؟”. وحين يفوتهُ شيءٌ لا يقولُ: “لماذا حُرمت؟”، بل يقول: “أيُّ خيرٍ ادخره اللهُ لي؟”. وحين يطولُ انتظارهُ لا يقول: “لماذا تأخرت الإجابة؟”، بل يقول: “لعلَّ اللهَ يهيئُ لي من الخيرِ ما لم أكن أتخيله”. ولهذا قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: 216].
ولعل من أعظم الوسائل لتعزيز الثقة بالله أن يتأمل الإنسان في ماضيه؛ فكم من مرة ظن فيها أن الطريق قد انتهى، ففتح الله له باباً للفرج؟ وكم من مخاوف ظنها مهلكة فمرت بسلام؟ وكم من دعوات استجابها الله له بصورة أجمل مما كان يرجو؟
هكذا يتحول الألم إلى درس، والتأخير إلى حكمة، والفقد إلى قربٍ من الله، والابتلاء إلى بابٍ من أبواب المعرفة.
وحين يبلغ الإنسان هذه المرحلة، لا يعود يقيس نجاح حياته بما حققه من مكاسب مادية، بل بما يملأ قلبه من سكينة؛ فالمال يذهب ويجيء، والصحة تتقلب بين القوة والضعف، والناس في إقبالهم وإدبارهم في تغير مستمر، أما القلب الموصول بالله فهو وطنٌ ثابت لا تزعزعه العواصف.
ختاماً، لا تكمن الحكمة في إدراك كنه أقدار الله، فذلك أمرٌ يتجاوز طاقة البشر، بل تكمن في الثقة المطلقة بصاحب القدر. فإذا عرفت ربك، هان عليك ما غاب عنك من حكمته، وإذا أيقنت برحمته، اطمأننت إلى قضائه. وحين يمتلئ قلبك بهذا اليقين، تدرك جوهر السعادة؛ فالحياة لا تزداد جمالاً بتغير الأقدار، بل بتغير نظرتنا إليها.
ومن عرف الله حق المعرفة، أدرك أن كل ما يصدر عنه خيرٌ محض، حتى وإن تجلى في صورة ابتلاء. عندها يسكن القلب، ويهدأ العقل، وتطمئن الروح وهي تناجي ربها: “يا رب، اختر لي فإني لا أحسن الاختيار، ودبّر لي أمري فإني لا أحسن التدبير، واجعلني راضياً بما قسمت، مطمئناً لما كتبت، واثقاً بأن الخير كله فيما أردت”
.
للتواصل : [email protected]



