عندما يودّع الحاج بيت الله الحرام

✍️هشام حسن نتو – كاتب سعودي :
ليس من السهل أن تصف الكلمات مشاعر إنسان وطأت قدماه المسجد الحرام لأول مرة. فهناك لحظات لا تُقاس بالوقت، ولا تُختزل في الصور، بل تبقى محفورة في الذاكرة وراسخة في أعماق القلب ما بقي العمر.
حين يقترب الحاج من أبواب المسجد الحرام لأول مرة، تتسارع نبضاته قبل خطواته، وتتزاحم في نفسه مشاعر الشوق والرهبة والفرح. وما إن تقع عيناه على الكعبة المشرفة حتى يشعر وكأن الزمن قد توقف من حوله، وأن سنوات الانتظار الطويلة قد اختصرت في لحظة واحدة. لحظة يرى فيها البيت الذي طالما توجه إليه في صلاته، ورفع إليه أكف الدعاء، وتمنى الوصول إليه طوال حياته.
كثير من الحجاج لا يستطيعون حبس دموعهم عند أول نظرة للكعبة المشرفة، وبعضهم يقف صامتًا وقد عجزت الكلمات عن التعبير عما يختلج في صدره. إنها لحظة لقاء لا تشبه أي لقاء آخر، لحظة يشعر فيها الإنسان بقربه من ربه أكثر من أي وقت مضى، ويستحضر معاني الرحمة والمغفرة والسكينة.
وخلال رحلة الحج، يعيش الحاج أيامًا استثنائية ينتقل فيها بين المشاعر المقدسة، يؤدي المناسك، ويستشعر عظمة هذا الركن العظيم من أركان الإسلام. يرى ملايين المسلمين من مختلف الأجناس والألوان واللغات وقد جمعهم مقصد واحد ونداء واحد: «لبيك اللهم لبيك». هناك تذوب الفوارق، وتبقى الأخوة الإيمانية عنوانًا للمشهد كله.
لكن أكثر اللحظات تأثيرًا تأتي عندما يحين موعد الرحيل.
ففي لحظة الوداع تتغير المشاعر، ويختلط الرضا بالحزن، والفرح بالحنين. يقف الحاج أمام الكعبة المشرفة يطيل النظر إليها وكأنه يحاول أن يحفظ تفاصيلها في قلبه قبل عينيه. يودعها بخطوات متثاقلة ودموع صامتة، وقلبه متعلق بأستارها، ولسانه يردد الدعاء بأن يكتب الله له العودة مرة أخرى.
ويتردد في داخله سؤال لا يفارقه: هل سأعود إلى هنا مجددًا؟ وهل سأقف مرة أخرى في هذا المكان الطاهر الذي شهد أجمل لحظات حياتي؟
إن الحاج لا يودع بناءً من الحجر، بل يودع مكانًا ارتبط بروحه ومشاعره وإيمانه. يغادر مكة المكرمة بجسده، لكن قلبه يبقى معلقًا ببيت الله الحرام، يشتاق إلى الكعبة والطواف وصوت الأذان ومشهد المصلين الذي لا ينقطع.
ولهذا تبقى رحلة الحج من أعظم التجارب الإنسانية والإيمانية التي يعيشها المسلم في حياته، رحلة تبدأ بالشوق، وتمتلئ بالخشوع، وتنتهي بالحنين. وبين دمعة اللقاء ودمعة الوداع يولد في قلب الحاج شعور عميق بأن بيت الله الحرام ليس مجرد مكان يقصده الناس، بل هو وطن للروح، ومأوى للقلوب، ومهوى أفئدة المؤمنين من كل أنحاء العالم.
وفي كل عام يغادر ملايين الحجاج، لكنهم يحملون معهم ذكرى لا تغيب، وأملًا لا ينقطع، ودعاءً صادقًا يرددونه أينما كانوا: اللهم لا تجعل هذا آخر العهد ببيتك الحرام، واكتب لنا عودة إليه ما حيينا.
للتواصل : [email protected]



