كتاب الرأي

كيف نُحسن التعبير عن غضبنا؟

         ✍️صفيه ملا – كاتبة سعودية :

الغضب شعورٌ فطري أودعه الله في النفس لحكمة، فهو ليس عيباً في ذاته، ولا دليلاً على ضعف الإيمان أو سوء الخلق، بل تكمن المشكلة في طريقة التعبير عنه؛ حين يتحول من شعورٍ عابر إلى كلماتٍ جارحة، أو مواقف مؤذية، أو قرارات نندم عليها بعد أن تهدأ العاصفة.
لذلك لم يأتِ الإسلام ليُلغي الغضب من حياة الإنسان؛ إذ لا تطيقه الفطرة، بل جاء ليهذّبه ويوجهه ويضعه تحت سلطان العقل والإيمان. وقد وصف الله سبحانه وتعالى عباده المتقين بقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].
يعتقد الكثيرون أن كبت الغضب هو الحل الأمثل، بينما يرى آخرون أن إطلاقه دون قيود يعبر عن الصراحة والشجاعة. والحقيقة أن الإسلام أرسى منهجاً متوازناً لا يدعو إلى الانفجار ولا إلى الكبت، بل يحث على تهذيب المشاعر وتوجيهها الوجهة السليمة.
فكظم الغيظ لا يعني قمع المشاعر، بل هو قدرةٌ واعية على ضبط النفس والتحكم فيها؛ منعاً لتحولها إلى سلوكٍ ظالم أو مؤذٍ. وقد جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يطلب منه وصية جامعة، فقال: «لا تَغْضَبْ»، فردد الرجل مرارًا، فقال ﷺ: «لا تَغْضَبْ» رواه البخاري (6116). ولا يهدف هذا التوجيه إلى منع الإنسان من الشعور بالغضب، فهذا أمرٌ يتنافى مع طبيعته البشرية، بل يهدف إلى ألا يترك المرء لنفسه العنان ليقوده هذا الغضب في أقواله وأفعاله.
من أكبر الأخطاء التي يرتكبها الناس التحدث أثناء نوبة الغضب؛ إذ قد يتفوهون بكلماتٍ يتعذر عليهم التراجع عنها لاحقاً. ولذلك أرشد النبي ﷺ إلى وسائل عملية لتهدئة النفس قبل التعبير عن غضبها. فعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا غَضِبَ أحدُكُمْ وهو قائمٌ فَلْيَجْلِسْ، فإنْ ذَهَبَ عنه الغضبُ وإلَّا فَلْيَضْطَجِعْ» رواه أبو داود (4782)، وصححه الألباني. وعن عطية السعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الغضَبَ مِنَ الشيطانِ، وإنَّ الشيطانَ خُلِقَ منَ النارِ، وإنَّما تُطفأُ النارُ بالماءِ، فإذا غضِبَ أحَدُكم فلْيَتوضَّأْ» رواه أبو داود (4784)، وحسنه الألباني.
وتُبيّن لنا هذه التوجيهات النبوية السامية أن الخطوة الأولى للتعبير السليم عن الغضب لا تكمن في الكلام، بل في استعادة الهدوء والتوازن النفسي؛ فمتى ما اطمأنت النفس، استطاع الإنسان التعبير عن مشاعره بأسلوب يحفظ كرامته وكرامة الآخرين.
فبدلاً من توجيه عبارات مثل “أنت دائماً مخطئ” أو “أنت لا تفهم شيئاً”، يمكن استبدالها بعبارات تعبر عن المشاعر، كقول: “لقد آلمني هذا التصرف” أو “شعرت بالحزن نتيجة ما حدث”. فالتعبير عن المشاعر يمهد الطريق للحوار البنّاء، بينما يؤدي الاتهام المباشر إلى إشعال فتيل الخصام.
وقد أثنى الله تعالى على أهل الحلم وضبط النفس فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: 37]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].
قد تكون لحظة الغضب عابرة، لكن آثارها قد تدوم طويلاً؛ لذا ينبغي على المؤمن أن يزن كلماته جيداً قبل النطق بها. وقد بيّن النبي الكريم ﷺ حقيقة القوة فقال: «ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّديدُ الَّذي يملِكُ نفسَه عندَ الغَضبِ» اخرجه البخاري (6114) ومسلم (2609). إن القوة الحقيقية لا تكمن في رفع الصوت أو الانتصار في الجدال، بل في القدرة على ضبط النفس عند الغضب، والتحكم في اللسان عند التعرض للاستفزاز.
ومن أعظم ما يعين على ذلك استحضار مراقبة الله تعالى، وتذكر قوله سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. فكم من كلمةٍ قيلت في لحظة غضبٍ كانت سبباً في هدم علاقة، وكم من كلمةٍ كظم صاحبها غيظه فلم ينطق بها، فكان جزاؤه أن حفظ الله له بها قلباً، وأبقى له بها ودًّا ومحبة.
ولا يجد الإنسان الراقي حرجاً في الاعتراف بغضبه، بل يسعى لتعلم كيفية التعبير عنه بأسلوب مهذب، والمطالبة بحقوقه بإنصاف، وصون لسانه عن الإساءة. فالغضب إذا أُحسن توجيهه صار أداةً للإصلاح، وإذا أُطلق دون ضابط كان مدعاةً للندم. وفي نهاية المطاف، ينبغي للمرء أن يستحضر أن لحظة صبرٍ واحدة قد ترجح في ميزان حسناته على ساعاتٍ طوال من الجدل والانتصار للنفس.
فإذا هاجت في صدورنا رياح الغضب، فلنجعل من التقوى دليلاً لنا، ومن الحكمة رفيقاً، ومن الكلمة الطيبة منهجاً؛ لنعبر عن مشاعرنا بصدق، ونحافظ على أجواء المودة والسكينة والاحترام بيننا وبين الآخرين.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى