ليس كل ما نشعر به يستحق الطاعة

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب سعودي :
في بدايات وعينا، نمنح مشاعرنا سلطة أكبر مما تستحق. نعتقد أن ما نشعر به في اللحظة العابرة هو الحقيقة الكاملة، وأن كل ما يموج في داخلنا يجب أن يُتبع، وكأن المشاعر بوصلة لا تخطئ.
فإذا خفنا، ظننا أن الخطر محتوم.
وإذا غضبنا، اعتقدنا أن رد الفعل مبرر.
وإذا فقدنا الحماس، توهمنا أن الطريق لم يعد يستحق الاستمرار.
لكن الحياة، مع الوقت، تهمس لنا بشيء مختلف، أن المشاعر رغم صدق تدفقها ليست دقيقة دائماً. هي تخبرنا بما نشعر به في حدود اللحظة، لا بما هو صحيح بالضرورة.
كم من قرار متعجل اتخذناه تحت تأثير انفعال عابر، ثم تمنينا لو أننا انتظرنا قليلاً. وكم من علاقة كادت أن تنتهي بسبب لحظة غضب، أو فرصة ثمينة ضاعت بسبب خوف مؤقت، أو حلم بعيد تخلينا عنه لمجرد أن الحماس خفت في منتصف الطريق.
المشكلة ليست في المشاعر نفسها، فهي جزء أصيل من إنسانيتنا، ولولاها لما عرفنا الفرح، ولا الامتنان، ولا الحب. لكن الخطأ يبدأ حين نُسلم لها زمام حياتنا بالكامل، وحين نعامل كل شعور على أنه أمر واجب التنفيذ، لا حالة تستحق التأمل والاحتواء.
ومع النضج، تبدأ علاقتنا بمشاعرنا في التحول. لا نحاربها، ولا ننكرها، ولا نتظاهر بزيف غيابها، بل نتعلم أن نصغي إليها دون أن ننقاد لها.
أن نقف في المنتصف ونقول:
أشعر بالخوف.. لكني أختار الثبات.
أشعر بالغضب.. لكني أختار اللين.
أشعر بالإحباط.. لكني أختار المسير.
وهنا يكمن الفرق الدقيق بين إنسان تقوده مشاعره، وإنسان يفهمها. الأول يعيش في تقلب دائم، لأن مزاج الصباح هو من يحدد اتجاه المساء. أما الثاني، فيمنح نفسه مساحة كافية ليرى ما وراء الشعور، قبل أن يتخذ موقفاً أو يبني قراراً.
وفي الحقيقة، فإن أجمل ما في الحياة لم يأتِ لأننا شعرنا بالاستعداد الكامل له، بل لأننا واصلنا السير رغم الخوف، وصبرنا رغم الضيق، وثبتنا رغم التردد.
لا يكون النضج في أن تختفي المشاعر الصعبة من أيامنا، بل في أن نفهم أنها زوار عابرون، لا قادة دائمون، قد نستمع إليهم، لكننا لسنا ملزمين باتباعهم إلى كل مكان.
فالإنسان لا يُقاس بما يعتمر في صدره من صخب في لحظة عابرة، بل بما يختار أن يفعله بعد أن تهدأ العاصفة وتستكين اللحظة.
فليس كل ما نشعر به يستحق الطاعة…
وكثيرٌ مما أنقذ حياتنا، بدأ في اللحظة التي اخترنا فيها ألا ننصاع لشعورٍ عابر.
للتواصل : [email protected]



