كتاب الرأي

أين تقف حدود الكوميديا؟

✍️ ريم منصور سلطان – كاتبة سعودية :

يقال إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يضحك، وربما لهذا السبب كانت الكوميديا واحدة من أكثر الفنون قربًا من جوهره النفسي، فالضحك ليس مجرد إستجابة عابرة للمرح، لكنها وسيلة قديمة لمواجهة الخوف، وكسرهيبة الواقع حين يثقل على الأرواح، ومنذ أن عرف الإنسان كيف يسرد الحكاية تعلم معها كيف يدمجها مع السخرية لإن الضحك كان دائمًا طريقته الخاصة للنجاة من قسوة الحياة.
وفي زمن أصبحت فيه الكوميديا سلعة تُباع وتُشترى، تراجعت الأسئلة الأخلاقية أمام سباق االتسليع، وهنا يفرض سؤال نفسه بقوة: أين تقف حدود الكوميديا؟ وهل كل شيء يصلح لأن يكون مادة للضحك؟ فنحن نلاحظ خلال الأعوام الفائته القريبة إنتقال السخرية من نقد السلوكيات إلى السخرية من الإنسان نفسه، ومن التندر على التناقضات الاجتماعية إلى التهكم على المقدسات الدينية، حتى بدا وكأن بعضهم لم يعد يبحث عن الضحك، لكنه يبحث عن كسر كل ما يراه الآخرون جديرًا بالاحترام.
فالكوميديا بطبيعتها لا تعترف بالحدود، وتقتات على المفارقات والتناقضات، وتجد مادتها الخام في كل ما هو مألوف أو جاد لتحوله الى مادة تسليه لتعرض على الناس، لكنها حين تتجاوز دورها في كشف التناقضات إلى تحويل الألم الإنساني والرواسخ الدينه إلى مادة للترفيه، يبدأ السؤال الأخلاقي بالظهورفهناك فرق بين أن نضحك من المأساة لنقاومها، وأن نضحك على أصحابها أو معتقداتهم لسخرية والحط منهم ، فالكوميديا في جوهرها ليست فن الإهانة، لكنها فن الرؤية الهزلية، فكم من سلوك عندما يظهر كمادة سخرية يحاول الإنسان أن يتفكر في هذا السلوك وتعديله أو ربما عادة إجتماعية غير منطقية تكون ظاهرة في المجتمع فتحاول السخرية لتظهر سخفها وعدم فائدتها فتتقلص وربما تختفي، فالكوميديا هي القدرة على رؤية التناقضات الخفية في الحياة وإظهارها بطريقة تجعلنا نبتسم ونتأمل في الوقت ذاته.
المشكلة أن عصرنا الحديث خلط أحيانًا بين الإحترام والقسوة، أصبح بعض صناع المحتوى يظنون أن تجاوز كل الخطوط دليل على الشجاعة، وأن جرح المشاعر أو الاستهزاء بالمآسي نوع من التحرر الفني، لكن الحرية لا تُقاس بعدد الحدود التي نكسرها،إنما بقدرتنا على استخدام هذه الحرية دون أن نفقد إنسانيتنا.
وهنا لا يتعلق الأمر بمنع الكوميديا من الاقتراب من هذه المواضيع، ولكن بطريقة الاقتراب منها، فهناك أعمال كوميدية عظيمة تناولت الموت والفقر والمرض، لكنها لم تسخر من الضحايا، بل من الظروف التي صنعت المأساة، أو من عبثية الواقع نفسه.
الكوميديا الراقية تستطيع نقد السلوك البشري، وكشف التناقضات الاجتماعية، وتسليط الضوء على الأخطاء التي تُرتكب باسم الدين، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين نقد الممارسات البشرية وبين الاستهزاء بالمعتقدات والمقدسات نفسها، ولهذا عندما نشاهد أعمال تحول المقدسات إلى مادة للسخرية فنحن لا ُننظر إليه بوصفه ممارسة كوميدية فحسب، ولكنها أذى متعمد على كل من يدين بهذا الدين، فالنقد يجب ان يفتح أبواب الحوار والتفكير، أما السخرية من المقدس فغالبًا ما تغلق أبواب الفهم وتستبدلها بالاستفزاز والانقسام ،ويمكن القول إن حدود الكوميديا هي حدود التعاطف والفهم وإعادة النظر، وحين يفقد الضحك قدرته على رؤية الإنسان، يتحول إلى شكل آخر من أشكال العنف الرمزي، وعندما يصبح الآخر مجرد مادة للاستهلاك والترفيه، تفقد الكوميديا رسالتها وتتحول إلى ضجيج عابر ينسى بمجرد الخروج من المسرح.
لذلك فإن السؤال ليس: هل نستطيع أن نمزح حول كل شيء؟ ولكن: ماذا يبقى من إنسانيتنا إذا فقدنا القدرة على احترام ما يراه الآخرون مقدسًا؟ فالمجتمعات لا تُبنى فقط على حرية التعبير، بل أيضًا على الحكمة التي توجه هذه الحرية، وعلى إدراك أن بعض المعاني أكبر من أن تُختزل في نكتة عابرة.
في النهاية، ليس كل ما يثير الضحك جديرًا بأن يُقال، وليس كل ما يمكن السخرية منه صالحًا لأن يكون مادة للكوميديا، فالفن الذي وُلد ليخفف عن الإنسان أعباء الحياة لا ينبغي أن يتحول إلى أداة تزيد من ألمه أو تنتقص من كرامته، وبين حرية التعبير واحترام الإنسان ومعتقداته مساحة من الحكمة يجب أن ننظر إليها جيداً، لإنه حين تمتد السخرية إلى الرواسي الدينية التي تمنح المجتمعات هويتها ومعناها الروحي، فإنها لا تهز المعتقدات بقدر ما تزعزع جسور الاحترام والتعايش، فالضحكة الراقية ليست تلك التي تهدم المعاني الكبرى ولكنها تلك التي تكشف تناقضات الحياة دون أن تفقد إحترامها للإنسان وما يؤمن به.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى