فنُّ إعادةِ التدويرِ

✍️سلوى الأنصاري -كاتبة وفنانة تشكيلية سعودية :
في دهاليزِ ذهنِ فنانٍ بارعٍ جالتِ الفكرةُ، فتسكَّعتْ في طرقاتِ مدينةٍ خرساءَ تُطلُّ على الهاويةِ، ولم تُدركْ أنَّها تجوبُ أرضًا خصبةً يسكنُها مَن يحلمُ بالقممِ العاليةِ.
جثتْ تلكَ الأفكارُ على ركبتيها أمامَ كائنٍ عملاقٍ كبيرٍ يحملُ الكثيرَ من المتناقضاتِ، وينظرُ إليها بعينِ التوسُّلِ على الرغمِ من ضخامتهِ، متوسلًا أن تُنقذهُ من تلكَ الهاويةِ التي تكادُ أن تلتهمَهُ وتقودَهُ إلى وادٍ سحيقٍ ليسَ له قرارٌ.
كانَ خائفًا أنْ لا ترى ما يحملُهُ من جمالٍ، فكلُّ من مرَّ بهِ لم يرَ سوى ركامٍ من النفاياتِ، وأكوامٍ من الأشياءِ التي انتهى عمرُها في نظرِ الناسِ. لكنَّها نظرتْ إليهِ بعينٍ أخرى؛ عينٍ لا تُصدِّقُ النهاياتِ، ولا تؤمنُ بأنّ بين ذلك الركام ستحد الكثير من الأفكار .
رأتْ في الصدأِ لونًا ينتظرُ من يوقظُهُ، وفي الخشبِ المكسورِ حكايةً لم تُروَ بعدُ، وفي الزجاجِ المهملِ شظايا ضوءٍ تبحثُ عن نافذةٍ جديدةٍ.
أخذتْ ترمقُ تلكَ المتناقضاتِ وتؤلِّفُ بينها، كما يؤلِّفُ الشاعرُ بين الكلماتِ المتباعدةِ ليصنعَ قصيدةً خالدةً. فغدتِ العلبةُ المعدنيةُ زهرةً تتفتحُ على جدارٍ، وتحولتِ الإطاراتُ الباليةُ إلى مقاعدَ تنبضُ بالحياةِ، وأصبحتِ الزجاجاتُ الفارغةُ قناديلَ تنثرُ الضوءَ في العتمةِ.
وهكذا بعيون الفنان المتأمل ظ سيء وُلدَ فنُّ إعادةِ التدويرِ؛ ذلكَ الفنُّ الذي لا يكتفي بإنقاذِ الأشياءِ من الفناءِ، بل يُعيدُ إليها كرامتَها المفقودةَ. إنَّهُ فنٌّ يُعلِّمُنا أنَّ القيمةَ ليستْ فيما يبدو عليه الشيءُ، بل فيما يمكنُ أن يصبحَ عليه. فكما تُبعثُ الأرضُ بعدَ المطرِ، وتزهرُ الأغصانُ بعدَ الجفافِ، تستطيعُ الموادُّ المهملةُ أن تنهضَ من جديدٍ بثوبٍ أكثرَ جمالًا وإشراقًا.
ولعلَّ أعظمَ ما في هذا الفنِّ أنَّهُ لا يُعيدُ تشكيلَ الأشياءِ فحسبُ، بل يُعيدُ تشكيلَ وعينا أيضًا. فهو يدعونا إلى النظرِ للعالمِ بعينِ الإمكانِ لا بعينِ الاستهلاكِ، ويُذكِّرُنا بأنَّ كثيرًا ممَّا نظنُّهُ نهايةً قد يكونُ بدايةً أخرى تنتظرُ مَن يكتشفُها.
فالفنانُ حينَ يُمارسُ إعادةَ التدويرِ لا يجمعُ بقايا الأشياءِ، بل يجمعُ فرصًا ضائعةً، ويمنحُها حياةً ثانيةً. وحينَ يرفعُ قطعةً مهملةً من بينِ الركامِ، فإنَّهُ يُعلنُ انتصارَ الجمالِ على الفناءِ، والإبداعِ على العبثِ، والأملِ على كلِّ ما ظنَّ الناسُ أنَّهُ انتهى.
وهكذا تبقى إعادةُ التدويرِ أكثرَ من مجرَّدِ ممارسةٍ بيئيةٍ؛ إنَّها فلسفةٌ تؤمنُ بأنَّ في كلِّ شيءٍ روحًا تنتظرُ مَن يُنصتُ إليها، وبأنَّ أعظمَ الأعمالِ الفنيةِ قد تبدأُ أحيانًا من شيءٍ كانَ الجميعُ على وشكِ التخلُّصِ منه.



