حين يعود الأبناء… ويكتمل العيد”.

✍️ ناهد شما – كاتبة أردنية :
ليس كل عيد يأتي بثياب جديدة أو موائد عامرة، فبعض الأعياد تأتي محمولة على أجنحة الشوق، وتدخل القلوب قبل أن تطرق الأبواب. حين تضطر الظروف بالأب والأم إلى مغادرة وطنهما لفترة من الزمن، ويتركان أبناءهما في بلد آخر، تبدأ أيام الغربة بثقلها المعروف. تمر الساعات بطيئة، وتتراكم الذكريات في زوايا القلب، ويصبح الحنين رفيقًا دائمًا لا يفارق المجالس ولا يغيب عن الدعوات.
ومع اقتراب العيد يزداد الشوق اشتعالًا، فالعيد في حقيقته ليس زينة ولا ملابس ولا هدايا، بل هو اجتماع الأحبة حول بعضهم البعض. وما أصعب أن يستقبل الوالدان العيد وهما بعيدين عن فلذات أكبادهما، يتذكران ضحكاتهم، وأحاديثهم، ومشاكساتهم التي كانت تملأ البيت حياةً ودفئًا. يخفون حزنهم أحيانًا، لكن القلب يبقى معلقًا بأبنائه مهما تباعدت المسافات.
ثم تأتي المفاجأة التي لا تخطر على بال، حين يفتح الباب فجأة، أو يرن الجرس في لحظة عابرة، ليجد الوالدان أبناءهما واقفين أمامهما وقد قطعوا المسافات ليشاركوهما فرحة العيد. عندها تتوقف الكلمات، وتتكلم الدموع. دموع لا تحمل حزنًا بل تحمل فرحًا عظيمًا لا تستطيع الحروف وصفه. في تلك اللحظة يشعر الأب والأم أن الدنيا كلها قد عادت إليهما، وأن العيد قد جاء أخيرًا بكل معانيه الحقيقية.
إنها سعادة لا تُشترى بالمال، ولا تعوضها الهدايا مهما بلغت قيمتها. إنها رحمة من الله تعالى يهبها للقلوب المشتاقة، فيجمع بعد الفراق، ويقرّ العيون بعد طول انتظار. يحتضن الوالدان أبناءهما وكأنهما يعيدان عدّ السنوات التي أبعدتهما الظروف عن بعضهم البعض، وتتحول لحظات اللقاء إلى ذكريات خالدة تبقى راسخة في الوجدان ما بقي العمر.
في مثل هذه المواقف ندرك أن أجمل ما في الحياة ليس ما نملك، بل من نحب. وأن وجود الأبناء قرب والديهم نعمة عظيمة لا يشعر بقيمتها كاملة إلا من ذاق مرارة البعد وطول الاشتياق. فالحمد لله على نعمة اللقاء بعد الفراق، والحمد لله الذي يجعل بعض الأعياد رسائل رحمة، ويحول لحظات الانتظار إلى أفراح لا تنسى، ويجعل من اجتماع الأسرة عيدًا يفوق في جماله كل أعياد الدنيا.
للتواصل : [email protected]



