كتاب الرأي

يوم عرفة… يوم تصعد فيه القلوب قبل الدعوات

         ✍️شفاء محمد-كاتبة سعودية :

في يوم عرفة، لا يبدو الزمن كغيره من الأيام، ولا تمر الساعات فيه مرورًا عاديًا؛ فهو يوم تتجلى فيه الرحمة، وتُفتح فيه أبواب الدعاء، وتعلو فيه القلوب قبل الأصوات، باحثة عن مغفرةٍ تطمئن بها الأرواح، وعن قربٍ يعيد للإنسان صفاءه الأول.

يوم عرفة ليس مجرد يوم في التقويم الهجري، بل هو مشهد إيماني عظيم تتوحد فيه القلوب على الرجاء. هناك، على صعيد عرفات، يقف الحجاج بملابسهم البيضاء، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف، الجميع يقفون أمام الله بقلوبٍ متجردة، وألسنةٍ تلهج بالدعاء، وعيونٍ تحمل دموع الخشوع والرجاء.

وفي هذا اليوم، يتذكر الإنسان ضعفه، وحاجته الدائمة إلى رحمة الله. يتذكر أن الحياة مهما اتسعت، فإنها تضيق بلا طمأنينة، وأن القلب مهما انشغل، فإنه لا يجد راحته إلا بالقرب من خالقه. لذلك يأتي يوم عرفة كفرصة عظيمة للمراجعة، للتوبة، للتسامح، ولإعادة ترتيب ما بعثرته الأيام داخل النفس.

ولغير الحاج نصيبٌ عظيم من هذا اليوم؛ فالدعاء فيه باب مفتوح، والصيام فيه فضل كبير، والذكر فيه حياة للقلوب. إنه يوم لا ينبغي أن يمر كأي يوم، بل يستحق أن نخفف فيه من ضجيج الدنيا، ونمنح أرواحنا مساحة للسكينة، ونرفع أكفّنا بما نرجوه، وما نخافه، وما نعجز عن قوله للبشر.

ما أجمل أن نستقبل يوم عرفة بقلوب نقية، وأن نغادره وقد تركنا خلفنا شيئًا من أثقالنا، وشيئًا من أخطائنا، وشيئًا من قسوة الحياة علينا. فهو يوم يعلمنا أن رحمة الله أوسع من ذنوبنا، وأن باب العودة لا يُغلق ما دام القلب يعرف طريق الدعاء.

يبقى يوم عرفة رسالة سماوية عظيمة: أن الإنسان مهما ابتعد، فطريق الرجوع قريب، ومهما أثقلته الحياة، فإن سجدة صادقة ودعوة خاشعة قد تغيّر ما ظنه مستحيلًا. ففي هذا اليوم، لا تصعد الدعوات وحدها إلى السماء، بل تصعد معها أرواحٌ أنهكها الانتظار، فتعود محمّلة باليقين .

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى