حركات البِسَاس

✍️منصور الزهراني – كاتب سعودي :
رنّ عليّ صديقي الذي يعمل في إحدى الشركات ذات صباح، وكان واضحاً من صوته أنه يريد أن “يفضفض”. صديقي هذا من الأشخاص الذين أعرف عنهم إخلاصهم الشديد في عملهم؛ فهو حريص على نجاح الشركة وكأنها مشروعه الخاص، يتعب في إنجاز مهامه ولا يتأخر عن مساعدة زملائه، ودائماً يقول لي إن نجاحه الحقيقي هو أن يرى المكان الذي يعمل فيه ناجحاً ومتقدماً. لذلك، عندما بدأ يحكي لي عن موقف حصل معه، استغربت انزعاجه؛ لأنني أعرفه جيداً، فهو ليس من النوع الذي يبحث عن المشاكل أو يحب الدخول في خلافات.
قال لي إن هناك بعض الزملاء، إذا كانت لديهم ملاحظة على شخص، لا يذهبون إليه مباشرة، بل يتوجهون إلى المسؤول ويبدأون بسلسلة من الأسئلة: لماذا فلان؟ ولماذا لم تفعلوا مع فلان كذا؟ ولماذا سمحتم له بكذا؟ ولماذا لم تطلبوا منه كذا؟
ضحكت وقلت له: هؤلاء يا صديقي لديهم مدرسة خاصة في العمل اسمها “حركات البِسَاس”.
بالمناسبة، أنا شخصياً أحب القطط، البِسّ مخلوق لطيف، لكن من عجائب هذا المخلوق أنه لا يحب أن يمشي في خط مستقيم أبداً؛ يتحرك بهدوء، يراقب من بعيد، يتخفى قليلاً ثم يظهر في المكان الذي يريده. وبعض البشر يبدو أنهم تعلموا هذه المهارة وأتقنوها أكثر مما ينبغي.
المشكلة ليست في أن يكون عندك رأي أو ملاحظة على زميلك؛ فهذا أمر طبيعي وقد يكون مفيداً. المشكلة الحقيقية هي أن تكون شجاعاً وجريئاً في الحديث عنه في ظهره، ثم تتحول إلى شخص شديد الهدوء واللطف عندما يكون أمامك.
إذا كانت لديك ملاحظة على زميلك، فقلها له مباشرة: “يا أخي، عندي ملاحظة عليك”. ناقشه، اختلف معه، اتفق معه، وانتهت المسألة. لماذا نحتاج إلى كل هذه الرحلات المكوكية بين المكاتب، وكل هذه الجلسات الجانبية؟
الغريب أن بعض الناس يصبح لديه ملف كامل وتاريخ أرشيفي عن زملائه؛ يعرف متى حضر فلان، ومتى خرج فلان، ومن جلس مع المدير، ومن ذهب إلى أين، وكأنه يعمل في مركز مراقبة وليس في بيئة عمل عادية. والأطرف أنك قد تسأله عن عمله الخاص فيقول لك بكل بساطة: “والله ما أدري، لكن فلان خرج الساعة كذا!”
وهنا أقول دائماً: يا أخي، اهتم بعملك ودع الناس تعمل. إذا كان هناك تقصير حقيقي، فأنت لست مضطراً لتحويله إلى قصة درامية تتناقلها بين المكاتب. وإذا كانت لديك ملاحظة شخصية على أحد، فاذهب إليه مباشرة. أما أن تذهب إلى المسؤول وتقول: “أنا فقط أسأل… لماذا فلان؟” فهذه الجملة الصغيرة قد تفتح باباً لا ينتهي من المقارنات والظنون.
في رأيي، أجمل شيء يمكن أن يحدث بين الزملاء هو الوضوح. إذا اختلفت مع شخص فصارحه. إذا أخطأ عليك فتحدث معه. وإذا رأيت شيئاً لا يعجبك فناقشه فيه باحترام، وقد تكتشف في النهاية أن الموضوع كله لم يكن سوى سوء فهم بسيط.
أما أن تبتسم في وجه زميلك ثم تذهب من خلفه لتتحدث عنه في ظهره وتسأل المسؤول بشأنه، فهذه ليست زمالة حقيقية. بل هي “حركات البِسَاس”.
وفي النهاية، أنا أحب القطط حقاً ولا ألومها على شيء؛ البِسّ يمشي بطريقته لأنه بِسّ في النهاية. أما نحن فلدينا عقل ولسان وشجاعة تجعلنا قادرين على الحديث مع بعضنا بوضوح. والقاعدة بسيطة: إذا كانت لديك ملاحظة على شخص، فكلمه هو. وإذا لم يكن لك شأن في الموضوع، فاتركه وشأنه. فالحياة أقصر من أن نقضيها في مراقبة بعضنا.
دعونا نكون بشراً وليس بِسَاساً.



