كتاب الرأي

الفاو.. ذاكرة حضارية تحت الرمال

         ✍️ د. حليمة عسيري – كاتبة رأي :

ماذا تخبرنا لوحة جدارية ناقصة عن مدينة كاملة؟
في الفاو، المدينة الأثرية التي كانت عاصمة لمملكة كندة، تكشف لنا اللوحات الجدارية جانبًا مدهشًا من حياة مجتمع ازدهر في قلب الجزيرة العربية. ومن أكثر المشاهد إثارة لوحة يظهر فيها خيول تعبر مجرى مائي وأسماك داخل الماء. ولا يمكن للوحة وحدها أن تثبت وجود بحيرة عذبة، لكنها تكتسب دلالة أكبر حين نعرف أن الفاو كانت واحة امتلكت منظومة متقدمة لإدارة المياه، وارتبطت بها أنشطة زراعية واسعة.
وفي لوحة أخرى، يظهر عنقود عنب وكرمة بتفاصيل فنية لافتة، في مشهد ينسجم مع ما كشفت عنه الدراسات الأثرية من بقايا نباتية، بينها العنب والرمان والزيتون والقمح والشعير وغيرها. وكأن الجدران لم تكن مساحة للزخرفة فحسب، بل سجلًا بصريًا لبيئة المدينة وحياة أهلها.
أما الألوان ودقة الرسم فتفتح بابًا آخر للدهشة. كيف استطاع فنان عاش قبل قرون طويلة أن يترك على الجص تفاصيل ما زالت قادرة على جذب أعيننا اليوم؟ لقد كشفت الفاو عن مجموعة من اللوحات الجدارية التي تعكس مستوى فنيًا متقدمًا، وتؤكد أن الحياة في المدينة لم تكن قائمة على التجارة وحدها، بل صاحبتها ثقافة وفنون ومعارف متنوعة.
وكان موقع الفاو الاستراتيجي عاملًا أساسيًا في ازدهارها؛ فقد كانت محطة على طرق القوافل التي ربطت جنوب الجزيرة بوسطها وشرقها، مما جعلها جزءًا من شبكة تجارية واسعة. وهنا تظهر قيمة كندة والمدينة التي اتخذتها عاصمة لها، ليس باعتبارها نقطة معزولة في الصحراء، بل مركزًا نشطًا ضمن حركة اقتصادية وحضارية امتدت عبر الجزيرة العربية.
وراء هذا الاكتشاف يقف اسم لا يمكن أن يغيب: الدكتور عبدالرحمن الطيب الأنصاري، الذي أفنى سنوات طويلة في التنقيب عن الفاو ودراسة آثارها في وقت لم تكن فيه تحظى بالاهتمام الذي تستحقه. آمن بأن تحت رمالها تاريخًا مهمًا، وواصل العمل على كشفه وتوثيقه.
واليوم، بعد رحيله، جاءت الفاو لتُدرج عام 2024م في قائمة التراث العالمي لليونسكو.
رحم الله الدكتور الأنصاري فقد قضى عمره يبحث عن مدينة لم يرها كثيرون كما رآها هو، حتى أصبحت الفاو اليوم جزءًا من ذاكرة التراث الإنساني العالمي.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى