كتاب الرأي

يوم التروية… حين ترتوي الأرواح قبل الأجساد

          ✍️ناهد شما – الأردن :

يأتي يوم التروية حاملاً معه نفحاتٍ إيمانية عظيمة، فهو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، اليوم الذي تبدأ فيه قلوب الحجاج رحلتها الحقيقية نحو المشاعر المقدسة، وتبدأ الأرواح بالتجرد من صخب الدنيا وهمومها، لتتعلق بالله وحده. سُمّي يوم التروية بهذا الاسم لأن الحجاج قديماً كانوا يرتوون فيه بالماء ويحملونه معهم إلى منى وعرفات، حيث كانت المياه قليلة في تلك الأماكن، فكانوا يتزوّدون بما يكفيهم قبل مواصلة الرحلة المباركة.

لكن التروية ليست مجرد ارتواء بالماء، بل ارتواء بالإيمان واليقين والطاعة. هو يوم يراجع فيه الإنسان نفسه، ويعيد ترتيب قلبه، ويغسل روحه من تعب الأيام. ففي هذه الأيام المباركة يشعر المسلم أن الدنيا مهما اتسعت تبقى ضيقة إن خلت من السكينة، وأن القلب لا يرتوي إلا بالقرب من الله.

وفي يوم التروية تتجه أفئدة الملايين نحو منى، بلباسٍ واحد، ودعاءٍ واحد، وغايةٍ واحدة، فلا فرق بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف، فالكل يقف تحت راية العبودية لله وحده. مشهد عظيم يعلّم البشرية معنى المساواة الحقيقية، ويذكّر الإنسان بأنه مهما علا شأنه فمصيره إلى الله.
هذا اليوم المبارك يفتح أبواب التأمل في حياة الإنسان، فكم من قلبٍ عطشان للرحمة، وكم من روحٍ أنهكها التعب، وكم من إنسان يحتاج أن يرتوي من الصبر والأمل والإيمان. إن أعظم ما يمكن أن يفعله الإنسان في هذه الأيام أن يملأ قلبه بالطاعة، ولسانه بالذكر، ويده بالخير، وأن يقترب من الله بصدقٍ وإخلاص.
ويوم التروية ليس للحجاج وحدهم، بل هو رسالة لكل مسلم أن يجعل من حياته محطةً للتزود بالتقوى، فالعمر رحلة قصيرة، وأجمل ما فيها أن يسير الإنسان فيها بقلبٍ نقي وروحٍ مطمئنة. فمن لم يكن بين الحجاج جسداً، فليكن معهم دعاءً وشعوراً ومحبة، ففضل الله واسع، ورحمته لا تُحجب عن أحد.
ما أجمل أن نستقبل هذا اليوم بقلوبٍ صافية، وأن نكثر فيه من التكبير والتهليل والاستغفار، وأن نصلح ما أفسدته الأيام في داخلنا، فربما كانت لحظة صدق مع الله سبباً في تبدل الأحوال وطمأنينة الأرواح.
اللهم اجعل يوم التروية بداية خيرٍ ورحمةٍ وفرجٍ لكل قلبٍ أنهكه التعب، واكتب للحجاج حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً، وارزقنا جميعاً الارتواء من طاعتك حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى