التروية .. حين ترتوي الأرواح

✍️رحمة الطويرقي _كاتبة سعودية :
في يوم التروية ، حيثُ تشرق الشمس على ملامح الحاضرين الغائبة عن تفاهات الأرض ، يقف السائرون إلى الله على عتبة رحلةٍ مختلفة ، رحلةٍ تبدأ بـ “التروية”.
ليس هذا اليوم مجرّد محطةٍ زمنيّة في تقويم الحـج ، إنه وقفة الروح الأولى لتعبئة الــزاد ، وتهيئة القلوب المنهكة لفيضان النور . هنا ، في “منى”، يتخفّف المرء من أثقاله ، ينفض غبار الركـض الطويل خلف سراب الدنيا ، ويسكبُ طمأنينة اليقين في جوف الحيرة.
عاش الإنسان عمره يفتش عن ينابيع تُطفئ لوعته ، يسير في دروب الحياة وهو يظن أن ارتواءه في المظاهــر ، أو في كثرة الالتفات لضجيج البشريّة. يُخيّل إليه أن إصلاح حاله ينبع من الخارج ، حتى يأتي هذا اليوم ليذكّره بأن الارتواء الحقيقي يبدأ من الداخل.
حين ينشغل الكائن البشري بتهذيب بصيرته ، وترميم تصدّعات روحه ، يهدأ في عينه كل هذا الوجود الصاخب. يوم التروية هو دعوةٌ صامتة للانعزال العظيم، لجمع شتات النفس المبعثرة بين الرغبات والمخاوف، وصبّها في إناء العبودية المحضة. إننا لا نتزوّد بالماء فحسـب، بل نتزوّد بوعيٍ جديد لمعنى الوجود ، وبقوةٍ تدفعنا لتجريد الحقيقة من أوهامها.
في “منى”، تلتقي الأرواح على بساط التجرّد ، تسقط الفوارق والألقاب ، وتتحول الجموع إلى لوحةٍ إنسانية واحدة ، تنطق بلغةٍ تجـاوزت حدود الحروف. يتأمل المتأمل في هذا المشهد فيرى كيف يتلاشى بريق المادة ليبقى الجوهر عـاريًا، نقيًا ومستعدًا للرحيل الأكبر نحو عرفات.
هو تمهيدٌ ذكيّ ، ومرحلة انتقالية تعلم الروح كيف تولد من جديد. إن العبور من ضيق الذات إلى سعة المطلق يتطلب فتراتٍ من الصمت والتأمل ، تتطلب مكانًا كـ “منى”، حيث يمتزج التاريخ باللحظة ، ويصبح الموت والحياة وجهين لعملة واحدة هي “العودة إلى الأصل”.
إن أسمى ما يتركه يوم التروية في وجدان الإنسان ، هو ذلك السلام الشامل الذي يفيض على الكيان. عندما يمتلئ القلب بوعود السماء ، تكفّ الجوارح عن الارتجاف، ويصبح المرء قادرًا على مواجهة مصيره بثباتٍ يشبه ثبات الجبال المحيطة بالمشعـر.
نكتب اليوم لا لنرصد حركة الأجسـاد، إنما لنوثق هجرة الأرواح إلى مواطن طهرها . نكتب لنخلّد تلك اللحظة الاستثنائية التي يدرك فيها الإنسان أن كل عذابات السير تنتهي برشة مـاءٍ من فيض الرضا الإلهي ، وأن كل ظمأ عشناه في منافي الأرض ، كان تمهيدًا لهذا الارتواء العظيم.
للتواصل : [email protected]



