كتاب الرأي

علم نفس البدو : لماذا كان البدو يعرفون الناس أكثر منا؟

✍️ ريم منصور سلطان – كاتبة سعودية :

في أعماق الصحراء حيث لا جدران تخفي الوجوه وتلبسها الأقنعة، هناك نشأ البدوي وهو يقرأ الإنسان كما يقتص أثر القدم على الرمل، فلم تكن الحياة بالنسبه له مجرد تنقل خلف المطر والكلأ فحسب،إنما كانت مدرسة نفسية عميقة صنعت فهمًا فطريًا للنفس البشرية قائمًا على الملاحظة والاحتكاك المباشر بالاخرين .
فالبدوي لم يكن يملك رفاهية الخداع طويلًا في الصحراء فقد تكلفه حياته ، ولان الطبيعة تسقط التمثيل بسرعة، فتكشف حقيقة الإنسان عند أول جوع، وأول خوف، لهذا كان تقييمهم للإنسان لا يقوم على الكلام بقدر ما يقوم على الموقف، فالرجل عندهم لا يُعرف بما يقول عن نفسه، ولكن بما يفعله حين تضيق به الظروف.
لذى كانوا يراقبون التفاصيل الصغيرة التي يغفل عنها الناس اليوم ، كيف يأكل الرجل؟ كيف يتعامل مع الضعيف؟ هل يصبر عند الغضب؟ هل يحفظ على السر؟ هل يتغير طبعه إذا امتلك المال أو القوة؟ هذه الأسئلة لم تكن فلسفة مكتوبة، هي أدوات خفيه لفهم البشر فعبرو عنها عن طريق أثير الأفواه فتحولت مع الزمن إلى بوصلةً غير مرئية تُشكل ملامح الحياة وتمنحها نسقاً وأسلوباً للحياة.
لقد فهم البدوي شيئًا عميقًا عن النفس ألا وهي أن الإنسان الحقيقي يظهر حين تقل الموارد، فالوفرة تجمل الجميع، أما الندرة فتفضح معادن البشر ولهذا كانت قيمة الكرم عندهم أعظم من مجرد تقديم الطعام، لأن الكرم في الصحراء يعني أن الإنسان قادرعلى مقاومة خوفه الفطري من النقص ، وكانوا يدركون أن الكبرياء الزائد يخفي هشاشة داخلية، لذلك لم يحترموا المتفاخر كثيرًا، ولكنهم احترموا الرجل الهادئ الذي لا يحتاج أن يصرخ ليُثبت قيمته، فالرجل الحقيقي بنظرهم يشبه النار الهادئة دفؤها يطال الجميع ولكنها لا تُحدث ضجيجًا.
وحتى في الصمت كان عندهم لغة تقييم، فالبدوي يعرف أن كثرة الكلام قد تكون محاولة لإخفاء فراغ داخلي، بينما الإنسان الواثق لا يستعجل شرح نفسه للناس، ولهذا ارتبطت الحكمة عندهم بالاختصار، ومن أعمق ما فهمه البدو عن النفس البشرية أنهم لم يثقوا بالإنسان الذي لم يمر بالمشقة، كانوا يرون أن التعب يُهذب الروح، وأن الطريق السهل يُنتج نفوسًا رخوة لا تعرف معنى الصبر أو الوفاء، ولهذا كانوا يقيسون الرجل بقدرته على الاحتمال لا بما يستعرضه أمام الأخرين.
ورغم بساطة الحياة البدوية إلا أنها امتلكت نوعًا نادرًا من الذكاء الاجتماعي والنفسي معاً ،فالبدوي كان يعرف أن الإنسان يحتاج إلى الكرامة أكثر من حاجته إلى الشفقة، لذلك كانوا يساعدون المحتاج بطريقة تحفظ ماء وجهه، فكانوا يساعدون بالخفاء بدون إعلان ، لان الكرامة لا تقل أهمية عن الخبز الذي يقدم نفسه.
واليوم وفي وسط المدن الحديثة والضجيج الإجتماعي أصبح الإنسان يُقيم غالبًا بما يملك: وظيفته، صورته الاجتماعية ، وحتى عدد المتابعين، فالناس اليوم أضاعت البوصلة النفسية ، وأصبحت تسأل ماذا تمتلك؟ وليس من أنت؟ ومن هنا عقدنا الحياة فحاولناعقد الندوات والمحاضرات، وحتى أننا ألفنا الكتب ،ولكن لم نتوصل لقرار يريح الإنسان أو يقربه من نفسه، والامر الذي حصل أننا بعدنا الانسان عن نفسه أكثر، عكس ذلك البدوي البسيط الذي سكن قلب الصحراء والذي تعلم كيف يهذب نفسه ويتعامل مع الأخر فقط عن طريق الملاحظة والخبرة، لقد عرف أن النفس البشرية ليست معقدة كما تبدو، عرفوا أن الإنسان يبحث عن الاحترام، والانتماء، والمعنى، وأنه مهما ارتدى من مظاهر القوة يبقى في داخله هشا أمام الخوف، والوحدة.
ولهذا ربما كانت الصحراء و رغم قسوتها وجفافها الظاهري الا أنها أكثر رحمة بالروح من كثير من المدن الإسمنتية الحديثة، لأنها علمت ومنذ قديم الأزل كيف تعالج النفس بالتهذيب، وعلمت أيضا أن قيمت الإنسان الحقيقية لا تُقاس بما يملكه إنما بالأثر الذي يتركه .

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى