ابنتي التي رحلت قبل أن تنطق اسمي

✍️ د. عبدالرزاق آل سعد _كاتب سعودي:
عندما كنت أستعد لاستقبال ابنتي لم أكن أعلم أن بعض الأحلام تُولد في القلب قبل أن ترى النور بعضها يرحل قبل أن يكتمل.
كنت أتخيّل ملامحها وأفكر كيف سيكون شكلها حين تفتح عينيها لأول مرة وكيف ستنطق اسمي يومًا ما لكن الحياة أحيانًا تأتي بخساراتٍ لا تشبه شيئًا خسارات لا تُرى بالعين لكنها تُحدث داخل الإنسان انهيارًا صامتًا.
حين أخبرنا الطبيب أن قلبها توقف شعرت أن شيئًا داخلي توقف معه. في تلك اللحظة لا يكون الألم مجرد خبر طبي بل صدمة نفسية كاملة. فالإنسان لا يفقد جنينًا فقط بل يفقد حلمًا كان ينمو معه يومًا بعد يوم.
فقد الجنين من أكثر أنواع الفقد التي يُساء فهمها اجتماعيًا لأن البعض يعتقد أن الحزن لا يكون عميقًا إلا بعد الولادة بينما الحقيقة أن التعلّق يبدأ منذ اللحظة الأولى التي يعرف فيها الأب أو الأم بوجود الطفل. كل دعوة، وكل انتظار، وكل تجهيز نفسي للمستقبل يصنع رابطًا عاطفيًا حقيقيًا حتى وإن لم يولد الطفل بعد.
الأم لا تفقد جنينًا فقط بل تفقد جزءًا من شعورها بالأمان وتعيش صراعًا نفسيًا بين الحزن والأسئلة والإنهاك الجسدي. والأب أيضًا يعيش فقدًا صامتًا يحاول أن يبدو قويًا بينما داخله مليء بالعجز والحسرة لأنه لا يستطيع أن يخفف الألم عن زوجته أو عن نفسه. بعض الكلمات تُقال بنية المواساة لكنها تُشعر الوالدين وكأن خسارتهما غير مفهومة أو غير مرئية. بينما الحقيقة أن الفقد لا يُقاس بعدد الأيام التي عاشها الطفل بل بمقدار الحب الذي تركه في القلوب
من أصعب المشاعر بعد هذه التجربة هو الفراغ. فراغ الأحلام التي كانت تُبنى وفراغ الأسماء التي تم التفكير بها وفراغ الانتظار الذي انتهى فجأة دون وداع. حتى التفاصيل الصغيرة تصبح موجعة مواعيد المتابعة صور الأشعة الحديث عن المستقبل كلها تتحول إلى ذاكرة ثقيلة.
ومع الوقت لا يختفي الحزن تمامًا لكنه يتحول إلى أثر هادئ يسكن الروح. نتعلم أن بعض الفقد يبقى معنا للأبد لا لكي يؤذينا دائمًا بل لأنه كان جزءًا صادقًا من حبنا.
ابنتي رحلت قبل أن ترى الدنيا وقبل أن تنطق اسمي لكنها علّمتني أن الأرواح الصغيرة قد تترك في الإنسان أثرًا أكبر من العمر نفسه. ورغم أنها لم تعش بين أيدينا إلا أنها عاشت في قلوبنا بما يكفي لتغيّرنا إلى الأبد.
ربما لم أستطع أن أحملها يوماً لكنني سأحمل أثرها في قلبي ما حييت .
للتواصل : [email protected]



