من المسؤول ؟

✍️ مها الشاعر – كاتبه سعودية:
في ظل استمرار ظهور إحصائيات رسمية خلال السنوات الأخيرة تشير إلى ارتفاع معدلات الطلاق عالمياً وليس محلياً فقط، حيث بلغت النسب إلى مرحلة مدعاة للتفكير والتدقيق والتساؤل.
ولعل من أول الأسئلة التي تخطر في ذهنك .. من المسؤول ؟!
هل هناك أسباب وأيد خارجية مستفيدة تبث هذا الفكر وتسعى إلى تطبيع الأمر كما يشير إليه البعض ، حيث أضحت مشكلة عظيمة تعاني منها معظم المجتمعات حول العالم ..
أم أن الهشاشة النفسية للأجيال الحالية، وارتفاع صوت الأنا مع جماعة الإستحقاق العبثية تلعب دوراً كبيراً في ارتفاع هذه النسب ؟!
أم غياب الثقافة المجتمعية التي تعمل على تحضير وتوعية المقبلين على الزواج عن أهمية هذه الخطوة، والتي تشار إليها إلى أنها إتمام نصف الدين ، لعظم أثرها العائد على الفرد والمجتمع إن أحسن الإختيار ؟.. أم ماذا ؟!..
للحظة طرأ على بالي إحدى المسلسلات الإجتماعية العربية الذي قدمته الدراما المصرية قبل سنتين تقريباً ، والذي ناقش مشكلة الطلاق العاطفي أو الصامت في ثلاثة أجيال بطريقة عبقرية رائعة ، ويؤسفني جداً بأننا أصبحنا نفتقر إليها كثيراً في وقتنا الحالي إلا ما ندر .
ألا وهي مشاركة الدراما في مناقشة قضايا إجتماعية واقعية، تعيشها مجتمعاتنا العربية على وجه الخصوص.
وكثيراً ما كانت تبرع الدراما العربية سواءً الخليجية منها أو السورية والمصرية في أدوارها المجتمعية ، إما عن طريق الكوميديا السوداء أو السيناريوهات المائلة إلى التراجيديا أكثر، أما الآن فقد بلغ الغثاء والإسفاف حده الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
مسلسل “الهرشة السابعة” ، وبالعودة إلى أصل المسمى فهو ترجمة شعبيه بحته لمصطلح “The seven year Itch” ، وهو اسم لمسرحية من تأليف الكاتب جورج أكسلورد أنتجت عام ١٩٥٢ ، وكانت تدور أحداثها حول الخيانة الزوجية التي تحدث بسبب الملل والفتور في العلاقة الزوجية.
ومن ثم أصبح يستخدم المصطلح كوصف لحالة الملل أو الحاجة إلى التغيير في حياة الإنسان بشكل عام بعيداً عن الحياة الزوجية.
مع العلم بأنها ليست نظرية علمية مثبتة ، ولكن الدراسات وجدت بأن أغلب الزيجات إذا تجاوزت السنة السابعة دون انفصال، فهي مؤشر على إمكانية استمرار هذه العلاقة إلى الأبد ، ولا يفوتنا الإشارة هنا بأن الاستمراية ليست بالضرورة أن تكون دائماً مؤشر على علاقة صحية.
وبعد عدة دراسات في دول أوروبية وجدوا بأنه فعلاً معظم حالات الإنفصال تكون مابين السنة الخامسة أو السابعة، ثم بدأوا في بعض هذه الدول بنشر توعية للمجتمع عن تأثير هذه المرحلة، وعن كيفية التعامل معها للحد من نسب الطلاق الناتجة عن هذه الحالة .. “الهرشة السابعة” .
وليست الخيانة كما ذكر في النظرية هي السبب الوحيد الذي يؤدي بالعلاقات الزوجية إلى هذه المرحلة، فالإهمال العمد أيضاً سبب، والتقصير، وسوء المعشر، وغيرها الكثير من أسباب عدة يمكن أن تودي بالعلاقة إلى هذا الطريق المغلق.
” “حكة السبع سنوات” هو مصطلح اصطلاحي نشأ لأن الجرب غالباً ما كان يتصرف كعذاب طويل ومتكرر في أوقات وأماكن لا يوجد فيها علاج فعال، ولأن الرقم سبعة كان بمثابة اختصار شعبي لفترة طويلة وعنيدة.”
لفتني هنا ربط الكاتب بين هذه الحالة المرضية المزرية ومابين الحالة الاجتماعية “الزواج”، والتي شبهت في ديننا الإسلامي بأفضل تشبيه ألا وهو السكن، ووصفت بمختصر رقيق جداً ألا وهو المودة والرحمة.
ولكن هذا لا يمنع من أن نقتبس من هذه النظرية ما يمكن الاستفادة منه بما يتناسب مع ثقافتنا الدينية والاجتماعية.
حيث قامت كثير من الدراسات والأبحاث في الولايات المتحدة الأمريكية خلال السنوات الماضية بدراسة هذه الحالة ومعرفة الأسباب، ومحاولة إيجاد الحلول الناجعة للحد من تفاقم هذه الظاهرة.
وفي أحد الأبحاث التابعة لموقع Health essential والتي نشرت تحت عنوان ؛ ( لا تدع “حكة السبع سنوات” تفسد علاقتك ) لآدم بورلاند عالم النفس السريري والحاصل على درجة الدكتوراه في علم النفس.
مبدئياً يشرح رأيه في هذا المصطلح “حكة السبع سنوات” .. قائلاً : “أحيانًا، تُحدث البرامج التلفزيونية والأفلام تأثيرًا بالغاً ، لدرجة أنها تُنشئ كلمات وعبارات تُصبح جزءًا من لغتنا الثقافية.
تكون هذه التأثيرات خفيفة ومضحكة، مثل مصطلح “تجاوز الحد” الذي ظهر في مسلسل ” أيام سعيدة “.
وفي أحيان أخرى، تكون هذه التأثيرات قاتمة ومُقلقة، كما هو الحال مع فيلم “ضوء الغاز ” عام 1944 الذي أدى إلى ظهور مفهوم “التلاعب النفسي”.. ”
وهذا تقريباً أشبه بما أصبحت تحدثه منشورات مواقع التواصل الإجتماعي من مسميات وصفات أخلّت كثيراً بالعقد المجتمعي لكثير من المجتمعات.
ومجتمعنا العربي والسعودي على وجه التحديد ليس عنها ببعيد.
ومن ثم تحدث د.آدم عن أسباب الوصول إلى هذه الحالة، والإشارة إلى عدة أسباب ومن ضمنها ؛ ( ضعف التواصل، وانعدام مهارات الاستماع والتعاطف،و وضع توقعات غير واقعية أو منطقية من الشريكين لبعضهما البعض، الغياب المستمر ، عدم التواجد في الأوقات المهمة، وكذلك الكلام الجارح أو الإنتقاد السلبي باستمرار).
بحيث لا تكون في حينها أكثر من مجرد هفوات بسيطة، ومن ثم تتفاقم حتى تصبح مشكلات مؤثرة مع تزايد المسؤوليات في الحياة اليومية مثل تربية الإطفال ، والمشاكل المالية والاجتماعية للأسرة، وتزايد ظهور الفوارق الثقافية والاجتماعية والدينية بين الشريكين، مع استمرار الصمت حيال كل ذلك، وعدم المواجهة ووضع الشريك بالصورة على أمل التحسن.
ومن ثم يتفاجئ الشريكين بهذه التراكمات الصغيرة جداً ، والتي لم تعد تتسع لها الأنفس، وأصبحت خطراً صامت يهدد استمرارية هذه العلاقة، وهذا ما يعرف بـ “الطلاق الصامت أو العاطفي” ،والذي هو يعتبر المرحلة الأولى التي قد تسبق الطلاق الفعلي بسنوات عدة، وتمهد لوقوعه إن لم تتم معالجة الأمر في الوقت المناسب وبالطريقة الأمثل .
وفي مختصر لحديثه لخص د.بورلاند عدة خطوات للأزواج لتجاوز هذه المرحلة المفصلية بأقل الأضرار ، وكيفية العودة إلى علاقة أسرية صحية.
حيث أشار إلى عدة أسباب مهمة جداً لإصلاح هذا الخلل ومن أبرزها ( العمل على تطوير مهارات التواصل، تجنب وضع الافتراضات، وبدلاً من اعتقاد بأنه يجب أن يفهم الشريك احتياجات الطرف الآخر دون حديث، يفضل خلق مساحة للحوار والنقاش بين الزوجين للحديث عن مخاوفهم والأمور التي تؤدي إلى حالات النفور، وعدم الرضا بين الزوجين.
بالإضافة إلى محاولة قضاء مزيد من الوقت بعيداً عن صخب الأطفال، والمسؤوليات المالية والاجتماعية والعبئ الإقتصادي للأسرة ، كما أكد على أهمية اختيار دائرة علاقاتك الاجتماعية بحكمة، والبحث عن بيئة إيجابية تساعدك بفهم مشكلاتك بشكل أوضح، والبحث عن حلول للإصلاح قدر الإمكان، إن كان لا يزال هناك مساحة للإصلاح .
وفي مقابل ذلك الابتعاد عن العلاقات السلبية، التي قد تكون هي المصدر الأساسي والوقود الرئيسي لتهديد استقرار هذه العلاقة، وذلك بزرع الشك بين الطرفين، وهز صورة كل من الشريكين في عين الآخر، والحث على اختلاق المشاكل كوسيلة لإعادة إحياء العلاقة في بعض الحالات على سبيل المثال، وهذا للأسف يحدث في حالات كثيرة بدافع حسد وغيرة وليس محبة واهتمام، والذي قد لا يدركه الكثير إلا متأخراً جداً وبعد فوات الأوان .
وقد أشار إلى أهمية إظهار التقدير والاحترام والحد من الانتقاد المستمر ، وكذلك الألفاظ النابية أو الجارحة، سواءً أثناء الخلافات أو من باب المزاح الذي لا تحمد عواقبه في معظم الحالات .
وأخيراً يشير د.بورلاند إلى أهمية استشارة مختص كوسيلة أخيرة للحفاظ على هذه العائلة أو الشراكة الزوجية.
أيهم أخف وقعاً ؟!
قبل عدة سنوات من الآن كنا نرى نسب عالية جداً في حالات العزوف عن الزواج، ولكن ما حدث خلال العشر سنوات الماضية هو بأننا بدأنا نلاحظ توقف الحديث عن العزوف عن الزواج، في مقابل ارتفاع نسبة الطلاق بأعداد مهولة تثير التساؤلات .
في إحصائية صادرة عن وزارة العدل للعام الماضي ٢٠٢٥ م ، حيث بلغت حالات الطلاق حوالي ٥٧ ألف حالة طلاق ، أي بمعدل حالة طلاق واحده كل تسع دقائق، وبلغت نسبة حالات الطلاق ١٢٪ بين حالات الزواج للعام الماضي.
وهنا في محاولة لفهم الأسباب على مستوى محلي، وذو ارتباط وثيق بثقافة مجتمعنا .. يكون لدينا عدة تساؤلات أخرى؛
هل اندثار نسخة المرأة الصبورة أحد أهم الأسباب ؟ أم تفاجأ الرجل بوجود قائد بجانبه يفوقه علمًا ومالاً ومكانة اجتماعية، و يمارس نفس الأدوار الذي يمارسها داخل المنزل وخارجه، فلم يعتمد يحتمل هذا الوضع ؟
أم أن مشاهير الفلس قد روجوا لصورة مثالية للحياة الزوجية ليست من الواقع بشيء ، بل من الخيال حبكة وسيناريو و أداء؟!
أم أن لجماعات الاستحقاق والوعي الجمعي طرف علم مما يحدث ؟!..
أي نعم الوعي بالحقوق والواجبات مطلب ولكنه أصبح في هذه المرحلة أشبه بتسمم الماء .
قد لا يطرأ ببال الكثير منا بأن الماء قد يؤدي إلى الوفاة أو إلى أمراض مستعصية !..
الأمر هو ذاته عند استمرارية حقن المتلقي بمعايير استحقاق غير واقعية ، وتظهر الفرد بمنظر الملاك في حين تصور الطرف الآخر بصورة شيطان أحمق.
لا نبالغ إن قلنا بأنه لا يكاد يمر شهر دون سماع حادثة طلاق في إحدى دوائرك الإجتماعية .
المكون الرئيسي في المجتمع ألا وهو الأسرة يتعرض إلى شبه حالة من التدمير أو الهدم بصورة مثيرة للانتباه ، وملفتة للنظر ، ومدعاة إلى دراسة الموضوع دراسة جادة وذات أثر حقيقي، حتى لا نصل إلى مجتمع يعيش حالة أنصاف أسر، وتصبح الأسرة هنا كمن يمشي بقدم واحدة، ومهما كانت هذه القدم شديدة الصلابة والثبات ، إلا وأن احتمالية تعرضها للسقوط والانهيار مقابل أدنى هبة رياح عابرة، نتيجة حتمية محققة؛ وكذلك المجتمعات .
أقول هنا ؛ من المهم جداً ، بل ومن أبسط حقوق المرء رجلاً كان أم امرأة أن يبحث عن علاقة صحية.
سواء على مستوى الفرد كزوج ، أو على مستوى الأسرة كمربي ، ولكن جعل الطلاق هو الخيار الأول في سبيل البحث عن هذه العلاقة الصحية هو أكبر خطأ، ويجب أن يكون آخر الحلول بل وأصعبها، والباب الأخير الذي لا يطرق إلا بعد أن يكون قد استنفد الشريكين جميع وسائل الإصلاح التي دونه .
و ختاماً مما يقول السنوسي عن مفهوم الأسرة والذي شوه كثيراً في الفترة الأخيرة من بعض الروايات التغريبية؛
” فليست الأسرة كيانًا لإذابة شخصيتيّ الرجل والمرأة؛ بل لتقوية شخصيتهما..
وهي لا تلغي الفوارق بين الرجل والمرأة أو تضعها موضع الصراع؛ وإنما تجعلها في موضع الوئام والتكامل.”
للتواصل :[email protected]



