كتاب الرأي

حين يتحول اللسان إلى معول هدم

✍️ أ. د . محمد شايع الشايع- كاتب سعودي:

في كل زمان ومكان يبقى اللسان أخطر من السلاح، لأنه قد يجرح قلوبًا، ويفرق أسرًا، ويهدم علاقات بُنيت عبر سنوات، دون أن يترك أثرًا يُرى بالعين. ومن أعظم البلاءات التي ابتُلي بها بعض الناس التلذذ بتتبع أخبار الآخرين، والخوض في القيل والقال، ونقل الكلام، بل وربما إضافة الكذب والتزوير عليه، لا لمصلحة حقيقية، ولا لمنفعة تُرجى، وإنما لإشباع فضول مريض أو رغبة خفية في إشعال الفتن بين الناس.

لقد أصبح بعض البشر يعيش على أخبار الخلق أكثر من عيشه على إصلاح نفسه، فيراقب هذا، ويتحدث عن ذاك، وينقل الكلمات بين المجالس والهواتف ومواقع التواصل، حتى تحولت المجالس عند البعض إلى ساحات غيبة ونميمة، تُنتهك فيها الخصوصيات، وتُشوَّه فيها السمعة، وتُقطع بسببها الأرحام.

ولم يقف الأمر عند حدود المجالس، بل امتد حتى إلى المناسبات الاجتماعية التي كانت يومًا ساحات للمحبة، وصلة الرحم، والتكافل، فأصبحت عند البعض ميادين للمنافسة غير الشريفة، واستعراض المظاهر، ومقارنة الناس ببعضهم البعض. فتحولت بعض الأعراس واللقاءات والزيارات إلى مساحة للحديث عن الغائبين، وتصيد الأخطاء، وقياس البشر بما يملكون لا بما يحملون من أخلاق وقيم. وبعد أن كانت المناسبات تجمع القلوب، أصبحت أحيانًا تزرع الحسد والجفاء والتنافر.

لكن الكارثة الأكبر ليست في الموقف العابر، بل في توريث هذه السلوكيات لذوي الارحام، حين ينشأ الأولاد على سماع الطعن في الأقارب، والاستهزاء بالناس، ونقل الحديث لإفساد العلاقات، فيكبر الطفل وهو يظن أن القيل والقال مهارة اجتماعية، وأن إسقاط الآخرين نوع من الذكاء والانتصار. وهنا يتحول التنافس غير الشريف إلى ثقافة متوارثة، لا تهدم فردًا فقط، بل تفتك بالأرحام وتقطعها جيلاً بعد جيل.

فكم من رحمٍ تقطعت بسبب كلمة نُقلت بغير أمانة، وكم من عائلة تفرقت لأن شخصًا أشعل نار المقارنات والوشاية، وكم من إخوةٍ تحولت بينهم المودة إلى خصومة بسبب ناقل حديث لا يخاف الله. إن بعض الناس لا يدرك أن نقل الكلام بين الأقارب أخطر من الخلاف نفسه، لأن الجرح حين يأتي من داخل الأسرة يكون أعمق وأشد ألمًا.

والأخطر من ذلك أن البعض لا يتورع عن نشر الأخبار دون تقصٍّ للحقيقة، ولا يكلف نفسه عناء التثبت، فيبني أحكامه على السماع، وينقل ما وصله وكأنه حقيقة مطلقة، غير مدرك أن الكلمة قد تهدم إنسانًا أو تزرع العداوة بين القلوب. ولهذا جاء التوجيه الرباني العظيم في قوله تعالى:  

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.  

فالتثبت ليس خُلُقًا إضافيًا، بل واجب يحفظ الحقوق، ويمنع الظلم، ويصون المجتمع من الفتن والإشاعات.

والمؤلم أن كثيرًا ممن يخوضون في هذه الأمور يظنونها تسلية عابرة أو حديث مجالس، بينما هي عند الله عظيمة. فالرسول ﷺ حذّر من آفات اللسان، وقال:  

«إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال».  

فالقيل والقال ليس مجرد كلمات، بل باب واسع للشر، تبدأ منه الفتن، وتتفكك بسببه العلاقات، ويُؤلَّب الناس بعضهم على بعض، حتى يصبح الأخ خصمًا لأخيه، والقريب بعيدًا عن قريبه، والصديق متوجسًا من صديقه.

إن ناقل الكلام لا يحمل الحروف فقط، بل يحمل معها الشكوك، والعداوات، وسوء الظن، ولهذا كانت النميمة من أخطر الذنوب الاجتماعية، لأنها تُفسد القلوب بصمت. ورب كلمة نُقلت بغير أمانة أشعلت خلافًا بين زوجين، أو قطعت رحمًا، أو أفسدت علاقة عائلية لا ذنب لأصحابها إلا أنهم وقعوا ضحية لسان لا يتقي الله.

والمجتمع الذي ينتشر فيه تتبع الأخبار والإشاعات يفقد الطمأنينة والثقة، لأن الناس يعيشون فيه بحذر دائم، يخشون أن تتحول كلماتهم الخاصة إلى مادة للقيل والقال. ولهذا كان من صفات المؤمن الحقيقي أنه مشغول بعيوبه عن عيوب الناس، حريص على ستر الخلق لا فضحهم، وعلى جمع القلوب لا تفريقها.

إن أعظم ما يحتاجه الإنسان اليوم أن يراقب لسانه قبل أن يراقب الناس، وأن يعلم أن كل كلمة محسوبة عليه، وأن أعراض البشر ليست ميدانًا للتسلية. فكم من إنسان خسر آخرته لأنه استمتع بخبر كاذب، أو شارك في إشاعة، أو نقل حديثًا أفسد به القلوب.

 

ولو انشغل الناس بإصلاح أنفسهم كما ينشغلون بأخبار الآخرين، لصَلُحت المجالس، وهدأت النفوس، وعادت المناسبات الاجتماعية كما كانت ساحات مودة وبر وصلة رحم، بدل أن تتحول إلى ميادين للمظاهر والمنافسات الخفية. فالستر عبادة، وحفظ اللسان نجاة، ومن عرف خطورة الكلمة أدرك أن الصمت أحيانًا عبادة، وأن سلامة المجتمع تبدأ من صدق اللسان وطهارة القلب

لنركز على ذواتنا، ونطور معارفنا ومهاراتنا، وننشغل بما ينفعنا في ديننا ودنيانا، ونسعى للأجور والدثور بالحلال، مع البعد عن المعاصي والفتن والذنوب، فذلك أحفظ للقلب، وأصلح للمجتمع، وأبقى للأثر وكل فرد محاسب ومصير اهوال القيامة مرعب.

للتواصل:[email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى