مهنية المرأة في بيئة العمل: بين صرامة الاحترافية وفطرة التربية

✍️ سيما محمد – كاتبة سعودية :
يواجه الوعي المعاصر إشكالية دقيقة تتعلق بكيفية ممارسة “الدور” داخل الفضاء العام؛ فالموظف في جوهره ليس مجرد كائن طبيعي يتحرك بعفوية، بل هو ذات مهنية تعمل وفق نظام عقلي ومعياري محدد يقتضي منه التخلي عن سماته الشخصية لصالح الواجب الوظيفي. وتبرز الإشكالية الوجودية هنا عندما يتم إسقاط الأنماط التربوية الفطرية —التي تنتمي بطبيعتها للفضاء الخاص والأسري— على بيئة العمل، مما يؤدي إلى تشويه مفهوم الاحترافية وتغييب الحدود الفاصلة بين الخدمة والوصاية. فالسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: هل يمكن للمرأة العاملة أن تحقق توازناً يحفظ كرامتها المهنية دون أن تحول وظيفتها إلى ساحة لممارسة “التربية” أو “التشكيك الأخلاقي” في المراجعين؟
لتحقيق هذا التوازن، يغدو الفصل بين “الأمومة التربوية” و”الاحترافية المهنية” ضرورة حتمية، حيث يجب التمييز بين الذات الفطرية التي تمارس التربية كرسالة وجودية، وبين الذات التعاقدية التي تقدم خدمة مهنية منضبطة. ومن هذا المنطلق، يظهر أن تجاوز الوصاية هو أول عتبات الاحترافية؛ فليس من واجب الموظفة الدخول في نوايا العملاء أو التشكيك في مقاصدهم، لأن العمل المؤسسي يقوم على “الظاهر القانوني” والمعاملة الإجرائية، لا على “الباطن الأخلاقي” أو الرقابة الوجدانية.
إن تعامل الموظفة مع المراجعين بمنطق التوجيه التربوي بدلاً من الخدمة المهنية يعد خروجاً عن العقد الاجتماعي للوظيفة، وانحرافاً بالدور المهني نحو سلطة غير مخولة، فالاحترافية كقيمة عقلانية تعني تقديم الخدمة بمعايير المنطق المهني، لا بمشاعر الرعاية التي قد تنقلب في غير سياقها إلى سلطة فوقية تفرض وصايتها على الآخرين دون وجه حق.
وفي هذا الفضاء المهني، تصبح “التقنية والحدود” صمام أمان يحمي التخصص ويمنع تداخل الأدوار الذي قد يؤدي إلى إرباك المنظومة العمليّة. إن انضباط الحدود المهنية يقتضي ألا تخرج الموظفة عن نطاق تخصصها لتوجيه المراجعين في أمور تقنية أو فنية لا تدخل ضمن صلاحياتها، كما يحظر عليها الإخلال ببروتوكول العمل عبر طلب مهام شخصية من المراجع، كأمره بمناولتها مستلزمات عملها أو خدمتها في سياق لا يخص إجراءات الخدمة نفسها. مثل هذا السلوك يعكس خللاً في فهم “إرادة القوة” داخل المؤسسة، حيث تُستغل المكانة الوظيفية لفرض سيطرة ذات طابع شخصي، مما ينال من كرامة المراجع ويُفسد توازن القوى المفترض في العلاقة المهنية.
انطلاقاً من هذه الرؤية، لا تكفي إحاطة الموظف بقوانين العمل المنصوص عليها، بل يصبح التأهيل المؤسسي ضرورة أخلاقية للارتقاء بالحضارة، باعتبار أن التحضر هو في جوهره تحقيق للذات عبر الأنظمة المنضبطة. لذا، يقع على عاتق الجهات المختصة التزام جوهري بتدريب الموظفين على فصل المشاعر الشخصية والأنماط التربوية عن الأداء العملي، لضمان تقديم خدمة متجردة وموضوعية. إن صياغة “الإنسان المهني” عبر إلزام القطاعات بمعايير الاحترافية يحول العمل من فعل عشوائي تسيطر عليه الانطباعات الشخصية إلى فعل حضاري منظم يضمن ديمومة المؤسسات واستقرارها. فالخلاصة الأخلاقية تؤكد أن الفطرة التربوية للمرأة هي منبع قيم عظيم، ولكن في بيئة العمل، يجب أن تصهر هذه الفطرة في قالب اللباقة والنزاهة، بحيث تظل أداة لرفع جودة الأداء لا وسيلة للتدخل في شؤون المراجعين أو تعطيل مسار الخدمة.
ختاماً، إن الوصول إلى الاحترافية المطلقة يتطلب وعياً بأن الوظيفة هي “قناع مدني” نرتديه لخدمة المجتمع، وليست منصة لممارسة السلطة التربوية أو الوعظية. إن النجاح الحقيقي للمرأة في بيئة العمل يكمن في قدرتها على أن تكون “محترفة” تفرض احترامها بدقة أدائها والتزامها الصارم بحدود دورها، بعيداً عن إسقاط التصورات الشخصية على الآخرين، مما يسهم في بناء بيئة عمل تحترم الفرد وتُقدس الإنجاز.



