كتاب الرأي

الأمانة الجسدية و فتنة “الطيبات”

✍️ ريم منصور سلطان – كاتبة سعودية:

في كل عصر يظهر خطاب يعد الإنسان بالخلاص السريع مرة عبر وصفة غذائية، ومرة عبر فلسفة حياة، ومرة عبر نظام يعد الجسد بالنقاء الكامل وربما الخلود، حاليا في زمن الفتن الرقمية يطل علينا رياح (الترند) ليلبس ثوب المصلحين حامل شعارات براقة تستلهم قدسيتها من الألفاظ القرآنية، فتسمي منهجها (نظام الطيبات) ليدخل الناس فيه أفواجاً دون تمحيص ظناً منهم أنهم يحسنون صنعاً.

وحالما إنتشر هذا الخطاب حتى تحول من تجربة فردية إلى يقين جماعي يعاد تكراره دون سؤال، واليوم نشهد باعيننا هذا الصعود الذي إلتف حوله كثيرون بدافع الرغبة في الصحة، أو النجاة من إرهاق الجسد والهروب من العقاقير، إن من أعظم المخاطر وما أخاف على الناس منه في هذا النظام هو أن يُجتزأ النص الديني لخدمة نظريات بشرية قابلة للخطأ والصواب، فالأصل في الأطعمة الحل، وحصر الصحة في قائمة ضيقة ومنع الناس من بعض الطعام دون دليل علمي قطعي هو شطط يُخشى منه على دين المرء وعقله.وعندما يلقب النظام بنظام الطيبات وكان ما كان في السابق عبارة عن خبائث وهذا الافتراء على الله عز وجل فقد قال في كتابة الكريم ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) الآية 87 من سورة المائدة. 

المشكلة هنا تكمن لا في الرغبة في التحسن أو الصحة ، إنما في الطريقة التي يتحول بها الإنسان من باحثٍ عن الوعي إلى تابع، وأخطر ما تفعله بعض الأنظمة ليس تأثيرها الغذائي فقط، ولكن في تأثيرها النفسي والاجتماعي، فحين يُقدَّم النظام بوصفه الحقيقة النهائية المفروغ منها ، يبدأ الإنسان في النظر إلى الطعام لا كحاجة متوازنة، بل كمعركة أخلاقية بين الطاهر والملوّث، وهنا يتسلل القلق إلى المائدة، ويتحول الأكل من فعل طبيعي إلى اختبار يومي للذنب والنجاة،ويجب أن نفرق ما بين الوعي الصحي و الهوس الصحي، فالوعي يجعلك تفهم جسدك تستشير المختص، وتبحث عن التوازن، أما الهوس، فيجعلك خائفًا من كل شيء مطاردًا لقائمة طويلة من الممنوعات، حتى تفقد علاقتك الطبيعية بالطعام وبالحياة.

لقد أمرنا الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله بالرجوع إلى أهل الاختصاص، فقال تعالى : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). وأهل الذكر في الطب هم العلماء والأطباء الذين أفنوا أعمارهم في البحث وفي المختبرات، لا الذين يقتنصون الثغرات عبر شاشات هواتفهم، فالانسياق الأعمى خلف شخص واحد وتسليمه الزمام في المنع والمنح الغذائي، هو إهمال لمنهج التبيان والتحقق الذي أمرنا الله به والتبين ،هنا يكون بعرض هذه الآراء على المجامع الطبية والهيئات المعتمدة.

إن الطيب في المنظور الإسلامي هو الحلال النافع الذي لا ضرر فيه وهذا الانسياق خلف أنظمة قد تسبب نقصاً في عناصر أساسية أو ترهق الأبدان بحرمان غير مبرر، هو خروج عن منهج الوسطي لقد كان نبينا ﷺ يأكل مما وجد، ويحب ما ينفع، ولم يحرم على نفسه وأصحابه صنوفاً من الرزق بدعوى النظام الخاص ولكن بما أمر وأحل وحرم الله تعالى، فقد كان الاعتدال هو سيد الموقف: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا). 

ختاما إن حماية النفس من المهالك واجب شرعي، والانسياق خلف كل ناعق في عالم الترندات قد يؤدي إلى مصير لا يحمد عقباه وعلينا أن ندرك أن نظام الطيبات الحقيقي هو ما وافق العلم الصحيح، واستقام مع الفطرة البشرية ولم يتخذ من الدين ستاراً لتمرير اجتهادات شخصية لم تنضج في أفران البحث العلمي.

ليكن زادنا التقوى وطعامنا ما أحل الله بالمعروف، وعقولنا حصناً ضد كل دعوى لا برهان لها، فالمؤمن كيس فطن لا تستخفه الأرقام ولا تغره الكلمات المنمقة إذا كانت تفتقر إلى روح الحق والصدق.

(اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه)

للتواصل: [email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى