قبلة على جبين رحم غائب .. حين يوقظ الموت ما عجزت عنه الحياة

✍️ أ. د. محمد شايع الشايع – كاتب سعودي:
توقف التكفين قليلًا، وانتظر الواقفون غائبًا طال غيابه، قيل إنه في الطريق ليُلقي نظرة الوداع الأخيرة على قريبٍ لم يره منذ أكثر من عام. سنوات من التأجيل، ووعودٌ مؤجلة تبدأ بـ “سوف أزور”، و“سوف أصلح ما بيننا”، حتى اختصر الزمن كل المسافات في لحظةٍ موجعة، فلم يجد وقتًا للقرب إلا عند الانحناء على وجه الراحل مودعًا، والصلاة عليه قبل أن يُوارى التراب. مشهد يتكرر كثيرًا، لكنه في كل مرة يترك سؤالًا مؤلمًا عند الاحياء، لماذا نؤجل المشاعر حتى تصبح بلا جدوى؟ وهل يحرك ذلك المشاعر؟
“قبّلتُ جبين ميتٍ مسجّى على نعش الغسيل”
ليست عبارة عابرة، بل اختصارٌ مكثف لحقيقة الحياة كلها. ففي تلك اللحظة تسقط الأقنعة الاجتماعية، وتتلاشى الخصومات الصغيرة، ويذوب الكِبر والعناد، ويقف الإنسان عاري القلب أمام يقين الموت. يدرك فجأة أن كثيرًا من القطيعة كان يمكن ألا يحدث، وأن رسائل كثيرة تأخرت، وأن أحضانًا كثيرة أُجلت حتى خطفها الغياب.
الموت ليس فقط رحيل شخص، بل اختبارٌ لعلاقات من بقي. فمن عرف قيمة صلة الرحم أدرك أن الوجوه التي تُفقد لا تعوض، وأن الأهل ليسوا مجرد أسماء في سجل العائلة، بل جذور نفسية وروحية تحفظ الإنسان من التيه والوحدة. ولهذا كان أعظم الألم أن يقترب البعض من موتاهم أكثر مما اقتربوا منهم أحياء.
وكم هو موجع أن يؤجل الإنسان التسامح حتى يصبح اللقاء مستحيلاً. فبعض الخصومات لا تتوقف عند القطيعة، بل تمتد إلى تأجيج الكراهية، وصناعة النزاعات، وترك أبناءٍ وبناتٍ يكبرون على روايات الألم والغضب تجاه قريبٍ خاصم أمهم أو أباهم سنوات طويلة. ثم يعود ذلك الغائب بعد الموت يبحث عن بابٍ للصلح، بينما الراحل قد مضى، والقلوب امتلأت بصورة قاسية عنه، والأبناء لا يعرفون منه إلا الخصام والوجع. حينها يصبح الرجوع متأخرًا، وتتحول الرغبة في الصفح إلى حسرة ثقيلة، لأن بعض الأبواب لا تُغلقها الكراهية وحدها، بل يغلقها الموت أيضًا.
كم من إنسانٍ وقف عند نعش قريبٍ له يتمنى لو عاد الزمن دقائق فقط ليقول: “سامحتك”، أو “اشتقت إليك”، أو “سامحني”. لكن الموت لا يمنح المواعيد المؤجلة فرصة أخرى، بل يترك في القلب درسًا قاسيًا مفاده أن المحبة ينبغي ألا تُؤخر، وأن صلة الرحم ليست واجبًا اجتماعيًا فحسب، بل نجاة للروح من ندمٍ طويل.
وفي مشهد الغسيل تحديدًا تتجلى هشاشة الإنسان بصورة مهيبة، الجسد الذي كان يمشي ويغضب ويخطط ويجمع المال، صار ساكنًا ينتظر دعوة صادقة وكفنًا أبيض. هناك فقط يفهم الإنسان أن العلاقات الصادقة هي الثروة الوحيدة التي تبقى حيّة بعد الرحيل، وأن الذكر الطيب والرحمة في القلوب أعظم من كل مكاسب الدنيا.
إن المجتمع الذي تضعف فيه صلة الرحم تكثر فيه الوحشة، مهما ازدحمت المجالس والاتصالات. فالقرابة ليست مجرد زيارة موسمية، بل شعور بالأمان والانتماء، ووعي بأن الإنسان لا يستطيع مواجهة الحياة وحيدًا. وحين يحضر الموت، تتكشف قيمة تلك الروابط، فالأكتاف التي تحمل النعش غالبًا هي ذاتها الأكتاف التي كان ينبغي أن تحمل الهمّ في الحياة قبل الرحيل.
لذلك، فإن قبلة الجبين الأخيرة ليست وداعًا للميت وحده، بل رسالة للأحياء أيضًا،
لا تؤجلوا المودة، لا تُطيلوا الخصام، لا تجعلوا الكبرياء يحرمكم من أصوات من تحبون. فربما يأتي يوم تقفون فيه أمام جسدٍ صامت، وتدركون أن كل شيء كان أصغر من أن يستحق القطيعة.
وما أقسى أن تكون آخر العلاقات صدقًا، تلك التي تأتي بعد الموت.



