وهمُ السيطرة

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب سعودي:
هناك اعتقاد خفي نحمله معنا في كل خطواتنا،
أن الحياة يجب أن تسير كما نفهمها، أو على الأقل كما خططنا لها.
نرتب، نتوقع، ونُحسن الظن بالبدايات.
نبني داخلنا صورة واضحة لما يجب أن يحدث، ونربط الجهد بالنتيجة، والنية بالمصير.
نمضي مطمئنين أن الأمور بطريقة ما ستأخذ شكلها المنطقي في النهاية.
لكن ما لا ننتبه له، أن الحياة لا تُدار بهذا القدر من الدقة.
تتبدل المسارات دون مقدمات، تتعثر الخطط في منتصف الطريق، وتحدث أشياء لم تكن في حساباتنا لا لأنها أخطاء، بل لأنها لم تكن لنا لنفهمها من البداية.
وفي هذه اللحظات التي تضيق فيها الرؤية وتتبعثر التوقعات، يأتي الهدى في كتاب الله الحكيم ليضع حداً لشتاتنا في قوله تعالى:
{وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} وهنا، تبدأ ملامح الفهم بالظهور
فنحن نُصدم أحياناً ليس لأن ما حدث كان قاسياً فقط، بل لأنه لم يكن “كما يجب أن يكون” في تصورنا.
نُرهق أنفسنا في محاولة تفسير كل شيء، نبحث عن معنى لكل تأخير، ونحاول أن نجد عدالة واضحة في كل ما نفقده، وكأن الحياة مطالبة دائماً بأن تكون مفهومة، أو منصفة بالطريقة التي نراها نحن.
لكن الحقيقة التي نتأخر في تقبلها، أن الحياة لا تلتزم بتوقعاتنا، ولا تشرح نفسها لنا في كل مرة. ليست كل الطرق التي انغلقت كانت خسارة، ولا كل الفرص التي تأخرت كانت حرماناً، ولا كل ما لم نفهمه كان خطأ.
بعض الأشياء لم تُخلق لتُفهم الآن، وبعضها، لن يُفهم أصلاً.
وفي هذه المرحلة تحديداً، يحدث التحول.
لا حين تبدأ الحياة بالانضباط، بل حين تتوقف عن مطالبتها بذلك.
حين تُدرك أن محاولتك المستمرة للسيطرة لم تكن قوة، بل قلقاً متخفياً في صورة تخطيط.
وأن الطمأنينة الحقيقية لا تأتي من وضوح الطريق، بل من قدرتك على السير فيه، حتى حين لا يكون واضحاً.
تتعلم أن تترك بعض الأسئلة دون إجابة، وبعض الأحداث دون تفسير، ليس لأنك استسلمت، بل لأنك أدركت أن الفهم ليس شرطاً للسلام.
وبهدوء لا يُرى، تتبدل نظرتك كلها.
وهنا، تتغير علاقتك بالحياة.
لا تعود تنتظر أن تكون عادلة كما تريد، ولا مفهومة كما تتمنى، بل تقبلها كما تأتي، دون أن تفقد توازنك معها.
فالراحة لا تبدأ حين تسير الحياة كما خُطط لها،
بل حين تتوقف عن الاعتقاد أنها يجب أن تفعل.
للتواصل:[email protected]



