الكتاب الذي دفع ثمن نفسه

✍️ ريم منصور سلطان –كاتبة سعودية :
في المشهد الثقافي العربي تبدو دور النشر كحارس لبوابة العبور إلى العالم الأدبي، فمن خلالها يخرج النص من عزلته إلى القارئ، لكن هذه البوابة التي يُفترض أن تكون جسرًا، تحولت في كثير من الأحيان إلى عبءٍ إضافي يُثقل كاهل الكاتب بدل أن يخففه.
لم يعد التحدي الأكبر أمام المؤلف هو الكتابة ذاتها ولكن ما يأتي بعدها، فبعد أن ينتهي من نصه وقد أودع فيه وقته ووعيه وتجربته يجد نفسه في مواجهة منظومة تطلب منه أكثر مما تمنحه وبدل أن تتبنى الدار المشروع وتتحمل مسؤوليته التحريرية والتسويقية يُطلب من الكاتب أن يشارك في التكاليف أو يتحملها بالكامل تحت مسميات مختلفة: (طباعة خاصة)، أو (شراكة).
وهنا يبدأ الخلل لأن العلاقة بين الكاتب والناشر في أصلها ليست علاقة زبون بمقدم خدمة ولكنهاأكثر عمق كونها شراكة معرفية: الكاتب ينتج النص والناشر يطوره ويقدمه إلى أن يصل للقارئ، لكن حين يُختزل دور الدار في الطباعة فقط تفقد هذه العلاقة معناها ويتحول الكاتب إلى ممول لمشروعه الخاص دون أن يملك الأدوات التسويقيه.
ومع تعقد المشهد، ظهر عنصر جديد يزيد الضغط على الكاتب الا وهو ما يعرف بالوكيل الأدبي وهو في جوهره فكرة صحية في البيئات الناضجة، حيث يتولى حماية حقوق الكاتب والتفاوض باسمه، لكن في السياق العربي غالبًا ما يتحول إلى حلقة إضافية من التكلفة فيدفع له الكاتب بينما ومن طرف أخر يدفع أيضًا للناشر ليجد نفسه محاصرًا بين طرفين كلاهما يقتطع من جهده دون ضمان حقيقي للانتشار أو رفع مستوى جودة عمله.
وهكذا، يصبح الكاتب بين مطرقتين:مطرقة دور نشر تنقل عبء المخاطرة إليه، وسندان وكيلٍ قد لا يملك سلطة فعلية في سوق غير منظم، وفي النهاية الخاسرالأكبر هو صاحب النص، ليس فقط ماليًا ولكن أيضاً معنويًا ، إذ يتآكل إحساسه بقيمة ما كتب حين يعامل عمله كمنتج يجب أن يدفع هو ثمن وجوده.
المشكلة هنا ليست في وجود دور النشر أو الوكلاء، بل في اختلال الأدوار فحين تتخلى الدار عن دورها الثقافي لصالح منطق الربح السريع، وحين يغيب الإطار المهني الذي ينظم العلاقة بين الأطراف، يصبح الكاتب الحلقة الأضعف في سلسلة يُفترض أنه مركزها.
ما يحتاجه المشهد ليس إلغاء هذه الأطراف، إنما إعادتها إلى جوهرها فدور النشر مطالَبة باختيار النصوص بوعي والاستثمار فيها وتحمل جزء من المخاطرة، أما الوكيل الأدبي فدوره يجب أن يكون قيمة مضافة حقيقية لا عبئًا ماليًا جديدًا.
أما الكاتب، فليس مطلوبًا منه أن يكون ممولًا، ومسوقًا، ومفاوضًا، ومبدعًا في آن واحد لأن حين يُطلب منه أن يكون كل شيء، ينتهي به الأمر أن يُستنزف ويخسر.
في النهاية، الكتابة فعل إنساني عميق و لا ينبغي أن يتحول إلى معادلة خاسرة لصاحبها، فإن لم يجد الكاتب بيئة تحمي جهده، سيبقى الإبداع العربي يدور في حلقة مفرغة، حيث تُجبر الكلمة على تسديدِ ضريبة ولادتها قبل أن تجد عيناً تقرؤها أو قلباً يأويه.
للتواصل:[email protected]



