كتاب الرأي

غراس الضيافة: حكاية تُكتب في الحقول وتُروى في الفنادق

✍️ أ. د . محمد شايع الشايع – كاتب سعودي: 

لتنشيط السياحة الزراعية والبيئية وتفعيل دورها الاقتصادي، توجّب علينا أن نعيش واقع السياحة الحديث، فالسائح اليوم لم يعد يبحث عن مجرد سرير ووسادة حين تحط رحاله في وجهاتنا الجبلية الساحرة، بل أصبح يطارد “روحاً” وقصة لا يجدها في كتيبات السياحة التقليدية. تبدأ الحكاية من لحظة دخول السائح إلى بهو الفندق، حيث لا تستقبله رائحة المنظفات الكيميائية المعتادة، بل يباغته أريجٌ نفاذٌ من الفل الجازاني الممتزج بترف الورد الطائفي، بينما تتمايل في الزوايا زهرة الديدحان الحمراء الرائدة، لتعلن بزهو أن الفندق ليس مجرد بناء خرساني، بل هو امتدادٌ حي للأرض التي يقف عليها. خلف منصة الاستقبال، يقف شابٌ طموح من خريجي كليات السياحة والآثار، لم تعد مهمته تقتصر على تسليم المفاتيح، بل بات “راوياً” بارعاً للتجربة، وبجانبه زميلٌ له من كلية الزراعة، يعملان كفريق واحد لصناعة الفرق، الأول ينسج محتوى القصة، والثاني يضمن جودة أبطالها من ثمار الأرض، ليحييك الشاب بابتسامة قائلاً: “أهلاً بك في ذاكرة الأرض، اليوم ستتلو حكايتنا بحواسك الخمس”.

تبدأ هذه الرحلة الحسية من فنجان القهوة، التي تتجاوز كونها مجرد “كافيين” للصحوة، لتصبح رحلة عميقة في جغرافيا المكان، تبدأ من وهج القهوة الشدوية، لتنتقل بك إلى عبق الجازانية، وتنتهي بتركيز العسيرية المهيب. ومع كل رشفة، يشرح لك هؤلاء الخريجون كيف نبتت هذه الحبة في مرتقيات وردهات جبال فيفا، وطلان والقهر، وكيف حُمصت بعناية لتصل للسائح كرسالة حب من مزارعٍ كدح تحت لهيب الشمس. ومع إشراقة شمس الصباح، تكتشف أن مائدة الوجبة ليست مجرد أصناف للطعام، بل هي “لوحة جغرافية مكانية” متكاملة، حيث تتذوق خبزاً من القمح البعلي وعجيناً من سمح الجوف، مدهوناً بسمنٍ بري من خيرات نعاج وماعز الوطن، وإلى جانبه طبقٌ من قرع ودبا القصيم السكري، تتوسطها “دلة” الشاي المعطر بالنعناع الحائلي وحبق المدينة.

ولأن القصة تكمن في التفاصيل، يأتي الغداء ليكون ذروة التجربة، حيث يتصدر طبق رُز الأحساء “الحساوي” حمص بتكشينة بزيتون الجوف، متبل ببزارات حائل العريقة، ليحكي قصة واحات النخيل وجلسات الكرم الأصيل، قبل أن تُختم التجربة بحبات من عجوة المدينة التي تحمل في طياتها بركة المكان وعمق التاريخ. هذه التجربة الفريدة لم تكن وليدة الصدفة، بل هي ثمرة تدريب مكثف لخريجين حمل أساتذتهم الأمانة بأن “اقتصاد التجربة” يبدأ من الحقل، فتعلم خريج الزراعة كيف يحول المحصول من “مادة خام” إلى منتج فندقي فاخر، وتعلم خريج السياحة كيف يحيك من هذا المحصول محتوىً وقصةً تُباع ويشتاق إليها الزائر.

وبينما يتجول السائح في ممرات الفندق العطرية، هناك مزارعٌ في طرف المنطقة يشعر بالفخر، لأن عقده المستمر مع الفندق جعله يطور زراعته ويستثمر في جودة بذوره. لقد تحول الفندق هنا إلى “بوابة” كبرى يمر عبرها خير الأرض إلى جيوب المزارعين، وعقول السياح، لتخلق سياحة بيئية زراعية لا تغرق في تفاصيل التقنية الزراعية بقدر ما تحول القصة إلى عنصر جذب جوهري ونادر. وفي نهاية الإقامة، يدرك السائح أن الكيلوغرام الذي يُباع في السوق كسلعة، تضاعفت قيمته المعنوية والمادية حين قُدّم له كـ “قصة”. يرحل وهو يحمل معه ذكريات لا تُنسى، لا لأنه سكن في فندق فخم، بل لأنه تذوق هوية سعودية لا تُقلد، هوية نبتت من الجذور، وصقلتها عقول خريجين الجامعات العلمية والمهنية السعودية، لتصبح الزراعة هي المعمار الحقيقي للضيافة السعودية. فبين الحقل والغرفة، لم تُكتب فاتورة إقامة عابرة، بل كُتبت فصول حكاية وطن يُطعم ضيوفه من خيراته، ويُسكنهم في سويداء قلبه.

للتواصل : [email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى