كتاب الرأي

الراحة النفسية ليست رفاهية

✍️ د. عبدالرزاق آل سعد _كاتب سعودي:

في عالمٍ يُكافئ السرعة ويُمجّد الإنجاز، تبدو الراحة النفسية وكأنها خيار ثانوي أو ترفٌ يمكن تأجيله دائماً نُقنع أنفسنا أن التحمل فضيلة وأن الانشغال المستمر دليل نجاح حتى أصبح التعب حالة طبيعية والهدوء استثناءً نادرًا لكن الحقيقة التي نتجاوزها كثيرًا: أن الراحة النفسية ليست رفاهيه بل ضرورة.

الراحة ليست مجرد غياب للضغوط بل هي حالة من التوازن الداخلي وانسجام بين الأفكار والمشاعر وقدرة على التعامل مع الحياة دون استنزاف دائم فحين يفقد الإنسان هذه الحالة لا يتوقف الأمر عند الشعور بالتعب بل يمتد ليؤثر على التركيز واتخاذ القرار والعلاقات وحتى الصحة الجسدية.

ورغم ذلك كثير من الناس يتجاهلون حاجتهم للراحة النفسية .. لماذا؟

أحد الأسباب يعود إلى الاعتقاد الراسخ بأن التوقف يعني الفشل وأن طلب الراحة ضعف وهذا الاعتقاد يتشكل غالبًا في بيئات تربط القيمة الذاتية بالإنتاج فقط فينشأ الفرد وهو يرى نفسه “بما ينجزه” لا “بما يشعر به”. فيبدأ بتجاهل إشارات الإرهاق ويؤجل احتياجاته النفسية إلى أجل غير مسمى.

تعزز الثقافة الحديثة هذا التجاهل في منصات التواصل تمتلئ بصور النجاح المستمر والإنجازات المتلاحقة مما يخلق معيارًا غير واقعي للحياة نقارن أنفسنا بالآخرين ونشعر أننا إن توقفنا سنفقد مكاننا. وهكذا تتحول الراحة إلى شعور بالذنب بدل أن تكون حقًا طبيعيًا.

كما أن البعض يخشى من مواجهة ذاته في لحظات الهدوء فالانشغال الدائم قد يكون وسيلة للهروب من أفكار أو مشاعر غير مريحة وعندما تهدأ الضوضاء الخارجية تبدأ الأصوات الداخلية بالظهور وهو ما يجعل البعض يفضل البقاء في حالة استنزاف مستمر بدلًا من مواجهة ما بداخلهم.

لكن تجاهل الراحة النفسية له ثمن فالنفس كالجسد حين تُرهق دون استعادة تبدأ بالانهيار التدريجي قد يظهر ذلك في صورة قلق مزمن وتوتر وفقدان الشغف أو حتى احتراق نفسي وهنا لا يعود الإنسان قادرًا على الاستمرار بنفس الكفاءة مهما حاول.

الراحة النفسية لا تعني الهروب من المسؤوليات بل تعني إدارتها بوعي وهي أن تمنح نفسك مساحة للتوقف للتفكير وللشعور دون ضغط أو جلد ذات وأن تعترف بأنك لست آلة وأن طاقتك محدودة وتحتاج إلى تجديد.

نحن بحاجة إلى إعادة تعريف مفاهيم النجاح والقوة و ان النجاح لا يعني الاستنزاف والقوة لا تعني الإنكار بل إن القدرة على التوقف والاعتناء بالذات وطلب الدعم عند الحاجة هي أعلى أشكال الوعي النفسي.

في النهاية، الراحة النفسية ليست شيئًا نكافئ به أنفسنا بعد الانتهاء من كل شيء بل هي ما يُمكّننا من الاستمرار أصلًا وما نتجاهله اليوم بحجة الانشغال قد نُجبر على مواجهته غدًا بشكل أكثر قسوة.

لذلك السؤال الحقيقي ليس: “هل لدينا وقت للراحة؟”

بل: “كم سنخسر إن استمرينا في تجاهلها؟” .

للتواصل : [email protected] 

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى