زحام النعم

✍️ صفية ملا – كاتبه سعودية:
في خضمّ الحياة وتسارع رِتْمُها، يميل انتباهنا تلقائياً إلى ما ينقصنا أكثر مما يلتفت إلى ما يحيط بنا من نِعم. نحن نركّز على الفجوات ونغفل عن الركائز الأساسية التي نستند إليها، رغم أننا نعيش في قلب هذه النِّعم لا على هامشها. فهي تحيط بنا بصمتٍ ودون ضجيج، ومع اعتيادنا عليها، تتوارى عن وعينا وتتحول إلى أمورٍ تبدو «عادية» لا تستدعي التوقف عندها، رغم أنها تشكّل العمود الفقري لرغد عيشنا. فالاعتياد لا يسلِبنا النعمة، بل يسلبنا القدرة على الإحساس بها.
نستيقظ كل صباح على معجزات هادئة: قلب ينبض بانتظام، ورئتان تتنفسان دون عناء، وجسد ينهض ليحملنا كل يوم دون شكوى. كوب ماء نرتشفه عند العطش، ظلٌّ يقِينا حرّ الظهيرة، ضوءٌ يتسلل من نافذة، وصوتٌ نحبه يمرّ بنا كطمأنينة ليُذكّرنا بأن الحياة تُمنح لنا كل يوم من جديد. إنها نِعمٌ وفيرة، لكنها ترتدي ثوب «العادي»، فنمضي أمامها كأنها حقٌّ مكتسب، لا هدايا متجددة.
حين نتأمل حياتنا بعقلانية، ندرك أن الكثير مما نعدّه اعتيادياً هو في جوهره ركيزة أساسية لاستقرارنا؛ فالصحة والأمان والروابط الإنسانية وحرية الاختيار ليست تفاصيل هامشية، بل هي دعائم جودة الحياة، التي غالباً لا ندرك قيمتها الحقيقية إلا عند فقدانها.
إننا نعيش في غفلةٍ مُتقنة، نُحسن فيها رصد ما ينقصنا ونُخفق في رؤية ما يفيض لدينا؛ إذ نُضخّم ما فقدناه حتى يحجب عنّا الرؤية، ونغض الطرف عما نملك، فنتوهم أن حياتنا تفتقر للشيء الكثير، بينما الحقيقة أن إدراكنا هو الذي يعاني من النقص. ولعل هذا النمط ليس صدفة، بل له جذور في طبيعة عقولنا التي تميل بالفطرة إلى التركيز على ما ينقص كآليةٍ للبقاء والتطور، مما يدفعنا لتجاهل ما استقر في حياتنا لكونه لم يعد يشكّل تحدياً؛ ولهذا السبب تحديداً، نشعر أحياناً بأن ما نملكه “غير كافٍ”، رغم كل مؤشرات الوفرة الواضحة.
إن الطموح للمزيد ليس خطأً، لكن الخطأ يكمن في ربط قيمتنا بما لم يتحقق بعد. أما التوازن الحقيقي، فيتجلى في تقدير ما نملك بوعي، والسعي نحو أهدافنا دون الانتقاص مما بين أيدينا؛ فالرضا لا يعارض الطموح، بل يحميه من التحول إلى سخطٍ دائم.
وحين نتباطأ قليلاً وننظر بعينٍ جديدة، نكتشف أن حياتنا مفعمة بالعطاء، ومليئة بما يكفي وربما أكثر. ندرك حينها أن ما نسميه «عاديّاً» ليس سوى نعمةٍ تغلّفت بثوب الألفة؛ في صوتٍ نألفه، أو وجهٍ نحبه، أو قدرةٍ نملكها، أو يومٍ عاديٍّ يمثل عند غيرنا حلماً بعيداً. ولكي تكتمل حياتنا، لا نحتاج إلى المزيد، بل إلى اتساع في الرؤية؛ فالنِّعم لا تتطلب زيادة، بل إدراكاً؛ فأن نرى الصورة كاملة، يعني أن ندرك أن كثيراً مما نبحث عنه كان حاضراً، لكننا لم نمنحه اهتمامنا.
لا تكمن الغاية في إحصاء النعم، فهي أسمى من أن تُحصى، بل في وعي وجودها؛ فجوهر الشكر هو الانتباه. إن تُقدِّر ما تملك قبل الانشغال بما ينقصك، وتدرك أن ما ألفته اليوم قد يكون حلماً لغيرك، هو جوهر الامتنان. فالشكر لا يقتصر على الكلمات، بل ينبع من حضور القلب واستشعار النعمة قبل أن تغدو ذكرى.
وعلمياً، يمكننا إعادة ضبط هذا الإدراك بخطوات ميسرة؛ كإعادة النظر إلى ما نملكه بوصفه استقراراً لا أمراً اعتيادياً، وتحقيق التوازن في المقارنة فلا نقيس أنفسنا بالأفضل فحسب، بل نستحضر معنى الفقد، وندرب انتباهنا على ملاحظة ما يستقيم في حياتنا، لا ما يحتاج إلى إصلاح فقط.
إن شكر النعم ليس مجرد عبارات، بل إدراك بأن ما تملكه اليوم كان يوماً أمنية لغيرك، وأن الاستقرار والعافية وجود من تحب ليست أموراً مضمونة، بل هي عطاء متجدد. والأهم أن الشكر الحقيقي يتجلى في السلوك؛ بحفظ النعمة، وتجنب إهدارها، وتوظيفها فيما ينفع. نحن لا نشكر لأن النعم كاملة، بل لأننا نراها بصدق؛ فإذا أبصرناها كذلك، تحولت الحياة من سباق محموم إلى مساحة من الطمأنينة المتوازنة.
للتواصل : [email protected]



