مَنْ الأَطْوَلُ عُمْرًا

✍️أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي كَاتِبٌ صَحَفِيٌّ، وَمُذِيعٌ تَلْفَزِيُونِي :
الحياة اليوم سريعة الايقاع، متطورة الملامح، بفضل الله أولا، ثم بما سخره للإنسان من وسائل المواصلات الحديثة ووسائط الاعلام المتعددة. فبعد أن كان السفر يستغرق شهورا طوالا، أصبح اليوم يقاس بالساعات، بل بالدقائق أحيانا. وبعد أن كانت المعلومة تشق الفيافي أياما لتصل، صارت تنتقل في ومضة عبر الاثير، لا يحدها زمان ولا مكان.
وهذا التسارع المذهل في وتيرة الحياة جعل الانسان المعاصر ينجز في ساعة واحدة ما كان يحتاج سلفه لسنوات طوال لانجازه. فالطبيب يشخص ويعالج عن بعد، والطالب ينهل من علوم جامعات العالم وهو متكئ في غرفته، والتاجر يبرم صفقات عابرة للقارات بكبسة زر دون أن يغادر مكتبه.
هنا يطرح العقل سؤالا جوهريا: هل يحق لنا أن نقول إن عمر الانسان اليوم أصغر بكثير من عمر الانسان في الماضي، إذا قسناه بمعيار الانجاز لا بمعيار السنوات؟
والجواب يتطلب تفكيكا وتأملا. فالعمر الزمني وحدة كونية ثابتة لا تتغير، فالسنة هي السنة، واليوم هو اليوم. لكن “العمر الانتاجي” أو “العمر المنجز” قد اختلف اختلافا جذريا. فالانسان اليوم يعيش أعمارا متعددة متراكبة داخل عمره الواحد، لانه يختصر المسافات ويكتنز الخبرات ويضاعف المدخلات بسرعة لم يألفها الأولون.
غير أن هذه السرعة الفائقة سلاح ذو حدين. فكما ضاعفت قدرتنا على الانجاز واختزال الزمن، ضاعفت معها شعورنا بضيق الوقت وتزاحم المهام ولهاث الانفاس. فقد ننجز الكثير كما، لكننا نفتقد لذة التأمل، وعمق التجربة، وبركة التاني التي كان يتذوقها انسان الماضي.
وعليه، فإن القول بأن عمر الانسان أصغر اليوم قياسا بالانجاز قول فيه وجهة من الصحة، إذا قصدنا كثافة المنجز وتراكمه في وحدة الزمن. أما العمر بمعناه القدري المكتوب، فهو هبة من الله لا تزيد ولا تنقص، قال تعالى: “فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون”.
والتحدي الحقيقي ليس في قصر العمر أو طوله، بل في كيف نملؤه بما ينفع ويبقى أثره ويخلد ذكره. فالعبرة ليست بوفرة الانجاز المجرد، بل بالبركة فيه، وبأن يكون شاهدا لنا لا علينا. فرب عمل قليل بارك الله فيه فسبق أعمالا كثيرة خلت من الاخلاص والقصد.
للتواصل :[email protected]



