كتاب الرأي

الإنسان وحبّ البقاء… بين الطموح والنجاح

✍️ نجد الثبيتـي-كاتبة سعودية:

في عمق التجربة الإنسانية، يقف دافع خفيّ لا يهدأ: حبّ البقاء. ليس مجرد رغبة في الاستمرار بل توقٌ دائم لأن يكون للإنسان أثرٌ يُذكر، وصوتٌ يُسمع، وحياةٌ تُعاش بمعنى. ومن هذا الدافع تنبثق حكاية الطموح، وتتشكل ملامح النجاح.

حبّ البقاء هو البريق الأول الذي يدفع الإنسان لمواجهة قسوة الواقع، وتجاوز حدوده، وبناء ذاته من جديد كلما تعثّر. إنه الغريزة التي تجعل الإنسان يتمسك بالحياة، حتى في أصعب الظروف، وتمنحه القدرة على النهوض حين تشتدّ العواصف. لكنه، في الوقت ذاته، قد يتحول إلى هاجس إذا اقترن بالخوف المفرط من الفشل أو الفناء، فيدفع بصاحبه إلى سباق لا يعرف التوقف.

في هذا السياق، يظهر الطموح بوصفه الامتداد الطبيعي لحبّ البقاء؛ فهو الرغبة في تحسين شروط الحياة، وتجاوز الواقع نحو الأفضل. غير أن الطموح، حين ينفصل عن التوازن، قد يتحول إلى عبء ثقيل، حيث يصبح الإنسان أسيرًا لفكرة “الأكثر دائمًا”، فيغيب الرضا، وتتلاشى لحظات الاكتفاء.

أما النجاح، فليس كما يُروّج له غالبًا في صورته المادية البحتة. النجاح الحقيقي هو أن يحقق الإنسان ذاته دون أن يفقد سلامه الداخلي. أن يبني مستقبله دون أن يهدم حاضره. وأن يسعى بثبات، لا بإنهاك. فكم من ناجحين في أعين الآخرين، لكنهم منهكون في أعماقهم، وكم من أشخاص لم يحققوا إنجازات صاخبة، لكنهم يعيشون بسلام واتزان.

التوازن هنا ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وجودية. فالإنسان الذي يدرك أن حبّ البقاء لا يعني الركض المستمر، بل الاستمرار الواعي، هو الأقدر على تحويل طموحه إلى طاقة بنّاءة، لا إلى عبء مستنزف. كما أن إدراك حدود الذات، واحترام احتياجاتها، يمنح النجاح بُعدًا إنسانيًا أعمق.

وفي خضم هذا كله، تظل الحقيقة الأهم: الإنسان لا يسعى فقط ليبقى، بل ليبقى بمعنى. وبين الطموح والنجاح، تتحدد قيمة الرحلة بقدرتنا على الحفاظ على إنسانيتنا، وعلى تحقيق توازن دقيق بين ما نريده وما نستطيع احتماله.

هكذا، لا يكون النجاح مجرد وصول، بل طريقة عيش. ولا يكون حبّ البقاء مجرد غريزة، بل وعيٌ يقودنا لنحيا… لا لننجو فقط.

للتواصل: [email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى