كتاب الرأي

خلف ضجيج الفكرة… تكمن أنت

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب سعودي:

هناك وهمٌ هادئ نعيشه دون أن ننتبه له، وهمٌ يهمس لنا بأن كل ما يدور في أذهاننا يُمثلنا.

نستيقظ أحياناً على أفكار لا تشبهنا، مخاوف لم نخطط لها، وتصورات نعرف في أعماقنا أنها مبالغ فيها ومع ذلك، نعاملها وكأنها حقائق مطلقة. لا لأننا نؤمن بها تماماً، بل لأننا لم نتعلم بعد كيف نقف على مسافة كافية منها.

في بدايات وعينا، نخلط بين “ما نفكر به” و“من نكون”.

نُصدّق الفكرة لمجرد أنها ظهرت، وننحاز لها لأنها خرجت من داخلنا، وكأن الداخل دائم الصدق ودائم الوضوح لكن الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.

وفي إشارات القرآن، يتجلى هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (يونس: 36) ليست كل فكرة حقيقة، وليست كل فكرة رسالة، وبالتأكيد ليست كل فكرة تستحق أن تُعاش.

فبعض الأفكار مجرد انعكاس لتعب لم يُفهم، أو خوف لم يُواجه، أو تجربة قديمة ما زالت تفرض ظلها على الحاضر.

المشكلة لا تكمن في وجود هذه الأفكار، بل في سرعة استجابتنا لها وتصديقها.

في المرحلة التي تسبق النضج، نحاول السيطرة على كل ما نفكر به؛ نقاوم، نُصحح، ونُجبر أنفسنا على “التفكير الجيد”، وكأن الوعي يعني أن تكون أفكارك دائماً نقية وواضحة.

لكن مع الوقت، يتبدل الفهم. لا لأن الأفكار أصبحت أفضل، بل لأن علاقتك بها أصبحت أهدأ.

تدرك حينها أن الوعي لا يعني أن تُنقي ذهنك من كل ما يزعجك، بل أن تعرف كيف تمر الأفكار من خلالك دون أن تجرك خلفها.

أن تلاحظ دون أن تنغمس، أن تفهم دون أن تُسلم، وأن تترك الفكرة تمر دون أن تخاف من الفراغ الذي تتركه بعدها.

وهنا تحديداً، يبدأ نوع مختلف من الحرية.

حرية لا تأتي من صفاء الأفكار، بل من قدرتك على ألا تكون أسيراً لها.

تُدرك أن داخلك ليس صوتاً واحداً، بل مساحة واسعة؛ فيها ما يشبهك وفيها ما لا يشبهك.

والنضج الحقيقي ليس في اختيار “أفكار بيضاء” فقط، بل في معرفة أي الأفكار تستحق أن تبقى، وأيها يكفيها منا مجرد المرور.

الحرية ليست في أن تُحسن التفكير دائماً، بل في ألا تُصدق كل ما تفكر به.

للتواصل: [email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى