كتاب الرأي

هندسة الكرة السعودية.. هل تُنهي المؤسساتية صيام العقود عن البطولات؟

✍️ حسن المقصودي-كاتب سعودي:

في وقت تسابق فيه كرة القدم السعودية الزمن لتبوأ مكانة مرموقة عالمياً، يبرز تساؤل جوهري يطرحه الشارع الرياضي بحدة: لماذا لا تترجم الإمكانات الضخمة والدعم الملياري والهياكل التنظيمية إلى بطولات تروي عطش الجماهير الصابرة لثلاثة عقود؟ إن الإجابة تكمن في فهم فلسفة البناء التي تنتهجها المملكة حالياً، والتي تهدف للانتقال من مرحلة المنجزات العابرة إلى مرحلة المنجز المستدام.

هرم المسؤولية ووضوح المحاسبة

تقوم المنظومة الكروية اليوم على توزيع دقيق للمسؤوليات، يوضح للمتلقي مفاصل القرار وجهات المحاسبة. تأتي وزارة الرياضة في قمة الهرم كمظلة استراتيجية تضع إطار الحوكمة والرقابة المالية بما يتوافق مع رؤية المملكة ٢٠٣٠. وتليها اللجنة الأولمبية والبارالمبية كمرجعية تضمن التزام الاتحاد بالقيم الرياضية وتنسق تمثيل الوطن في المحافل الدولية.

أما داخل الاتحاد، فتعد الجمعية العمومية هي البرلمان التشريعي وصاحبة السيادة، فهي التي تمنح الشرعية لمجلس الإدارة وتملك سلطة محاسبته على النتائج أو انحراف الخطط الفنية. بينما يتولى مجلس الإدارة الدور التنفيذي المسؤول مباشرة عن تحويل الدعم السخي إلى أداء ملموس في الميدان.

بناء الهوية الفنية مقابل النتائج اللحظية

تكمن الفجوة بين الطموح والواقع في عنصر الزمن؛ فبينما تطالب الجماهير ببطولات فورية، يعمل المدير الفني للاتحاد على بناء هوية فنية موحدة. ويُفسر المختصون النتائج المتعثرة للمنتخبات حالياً بأنها نتاج مرحلة ما قبل التنظيم الحديث، حيث يهدف الهيكل الجديد لتفادي عشوائية الماضي لضمان تدفق لاعبين جاهزين دولياً لا يتأثر مستواهم بتغير الأجهزة الفنية أو الإدارية.

جيل جديد من برامج التطوير

أدركت المنظومة أن البرامج السابقة كانت مرحلية، فاستبدلتها بنماذج أكثر تخصصاً وعالمية. برزت مراكز مهارة كبديل مطور يستهدف صقل الموهبة في سن مبكرة بين ست واثنتي عشرة سنة، بالتوازي مع استراتيجية دعم الأندية التي ربطت التمويل بجودة قطاع الفئات السنية، مما حول الأندية إلى المصنع الأول للموهبة.

وعلى صعيد الاحتكاك الدولي، انتقلت المنظومة بعد انتهاء مشروع صقور المستقبل إلى مرحلة استثمار النخبة، وذلك عبر برامج حديثة مثل صقور التحليق بالشراكة مع نادي أتلتيكو مدريد، واتفاقيات المعايشة مع أندية أوروبية عريقة مثل سبورتينغ لشبونة، لكسر حاجز الرهبة الدولية لدى اللاعب الشاب مبكراً.

مأسسة المشاريع لتجاوز عقبة التغيير الإداري

يبرز التحدي الأكبر في قصر دورة الاتحاد الانتخابية المحددة بأربع سنوات، إلا أن النموذج السعودي عالج ذلك بتحويل الخطط الكبرى إلى مشاريع وطن عابرة للإدارات. وهذا يعني أن أي إدارة جديدة لا تهدم ما سبقها، بل تواصل البناء على مسارات فنية محصنة بأنظمة الحوكمة، مما يضمن عدم العودة إلى نقطة الصفر عند كل تغيير إداري.

خلاصة القول:

إن تحسين الصورة الذهنية للمنظومة يبدأ من إدراك أننا نعيش مرحلة ضريبة الانتقال من العفوية إلى المؤسساتية. الهيكل التنظيمي الحالي هو المختبر الذي يُعد الأبطال، والجمهور اليوم شريك في الرقابة عبر الجمعية العمومية، في انتظار أن تكتمل الحلقة وتُتوج هذه الهندسة الإدارية بمنصات التتويج التي طال انتظارها.

للتواصل:[email protected]

Eman Saad

مسؤولة النشر والتدقيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى