كيف تسرقنا الحياة دون أن نشعر ؟

✍️ د. عبدالرزاق آل سعد _ كاتب سعودي:
ليس من الضروري أن تمرّ بأزمة كبيرة لتشعر بالإرهاق أحيانًا يكفي أن تستمر طويلًا دون أن تتوقف و أن تمضي في أيامك بنفس الوتيرة و تؤدي ما عليك وتؤجل نفسك إلى وقتٍ “أنسب” قد لا يأتي . هناك يبدأ الإرهاق الحقيقي .. بهدوء.
هذا الإرهاق لا يأتي فجأة بل يتكوّن تدريجيًا يبدأ الشخص بتنازلات صغيرة: تأجيل راحتنا، كتم مشاعرنا، مجاراة الآخرين على حساب أنفسنا، أو محاولة أن نبدو بخير بينما نحن لسنا كذلك ومع مرور الوقت تتحول هذه التفاصيل إلى عبء ثقيل يسكننا.
نعيش في زمن السرعة كل شيء يطالبنا بأن نكون أسرع و أفضل وأكثر إنتاجًا. نركض خلف الإنجاز، ونقيس قيمتنا بما نحققه، لا بما نشعر به. ومع هذا الركض المستمر، ننسى أن نسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا:
هل نحن بخير فعلًا ؟
الحياة لا تسرقنا دفعة واحدة بل تفعل ذلك ببطء تسرق هدوءنا حين نُحمّل أنفسنا أكثر مما نحتمل وتسرق توازننا حين نُرضي الجميع وننسى ذواتنا وتسرق شعورنا بالحياة حين نعيش على “وضع التلقائية” دون وعي حقيقي بما يحدث داخلنا.
ومن أخطر ما في هذا الإرهاق أنه لا يُرى بسهولة قد يبدو الإنسان طبيعيًا من الخارج و ينجز ويبتسم ويتفاعل لكنه من الداخل يشعر بثقل لا يُفسَّر وبفراغ لا يُملأ وكأن الحياة تمر من خلاله لا به.
في هذا السياق، يصبح الإرهاق النفسي ليس مجرد حالة عابرة، بل نمط حياة نعتاد عليه، ونتعايش معه، بل وربما نُبرره. فنقول: “هذا طبيعي .. الجميع يشعر هكذا” دون أن ندرك أن الاعتياد لا يعني السلام، وأن الصمت لا يعني التعافي.
لكن الوعي هو البداية. أن ننتبه لأنفسنا، أن نعترف بأننا مُرهقون، أن نسمح لأنفسنا بالتوقف، ولو قليلًا. فالتوقف ليس ضعفًا، بل شجاعة في عالم لا يعترف إلا بالاستمرار.
الإنسان المُرهق لا يحتاج دائمًا إلى حلول معقدة، بقدر ما يحتاج إلى أن يعود لنفسه. أن يُنصت لمشاعره دون حكم، أن يضع حدودًا تحمي طاقته، أن يمنح نفسه مساحة للراحة دون شعور بالذنب، وأن يُدرك أن قيمته لا تُختصر في إنتاجه.
الحياة لن تتوقف عن المطالبة لكننا نستطيع أن نُعيد تعريف علاقتنا بها وأن نختار التوازن بدل الاستنزاف والوعي بدل التلقائية والرحمة مع الذات بدل القسوة.
في النهاية، ربما لا نستطيع إيقاف عجلة الحياة .. لكننا نستطيع أن نمنعها من أن تسرقنا دون أن نشعر .
للتواصل : [email protected]



