كتاب الرأي

الجاهل عدوُّ نفسه

        ✍️ حنان الغامدي – كاتبة سعودية :

ليس العدوُّ دائمًا ذلك البعيد الذي يتربص بالإنسان في الظل، ولا هو الخصم الذي يعلن عداوته صراحةً؛ بل قد يكون العدوُّ أقربَ مما نظن، كامِنًا في داخل الإنسان نفسه، متجسِّدًا في الجهل الذي يعمي البصيرة ويقود صاحبه إلى الهلاك. فالجاهل، في حقيقة أمره، عدوٌّ لنفسه قبل أن يكون عبئًا على غيره، لأنه يسير في الحياة بلا هدى، ويتخذ قراراته دون علمٍ أو بصيرة، فيُوقع نفسه في الأخطاء ويكررها دون وعي.

الجهل ليس مجرد نقصٍ في المعرفة، بل هو حالة من الغفلة عن إدراك الحقائق، ورفضٌ للتعلم، واستسلامٌ للأوهام والمعتقدات الخاطئة. ومن أخطر ما في الجهل أنه يمنح صاحبه ثقةً زائفة، فيظن أنه على صوابٍ دائم، فيرفض النصيحة ويعرض عن التوجيه، فيزداد ضلالًا على ضلال. وهنا تتجلى عداوة الجاهل لنفسه؛ إذ يحرمها من نور العلم، ويغلق أمامها أبواب التطور والنجاح.

إن الإنسان الجاهل قد يظلم نفسه حين يتخذ قراراتٍ مصيرية دون معرفة، فيخسر فرصًا ثمينة، أو يُسيء إلى من حوله دون إدراك، فيفقد علاقاته وسمعته. كما أن الجهل قد يقوده إلى التسرع، وسوء التقدير، والانقياد وراء الشائعات والأفكار الهدامة، فيصبح أداةً بيد غيره، لا يملك من أمره شيئًا. وبذلك، يكون قد ألحق الضرر بنفسه قبل غيره، فصار عدوًا لها دون أن يشعر.

وعلى النقيض، فإن العلم نورٌ يبدد ظلام الجهل، ويهدي الإنسان إلى سواء السبيل. فبالعلم يعرف الإنسان حقوقه وواجباته، ويميّز بين الصواب والخطأ، ويتخذ قراراته على أساسٍ من الفهم والوعي. وليس المقصود بالعلم هنا مجرد التحصيل الدراسي، بل يشمل أيضًا الحكمة، والتجربة، والقدرة على التعلم المستمر.

إن إدراك الإنسان لخطورة الجهل هو الخطوة الأولى نحو التغيير. فكلما سعى إلى التعلم، وانفتح على المعرفة، وراجع أفكاره وقناعاته، اقترب من الصواب وابتعد عن أن يكون عدوًا لنفسه. فالحياة لا ترحم الجاهلين، ولا تجامل من يصرّ على البقاء في دائرة الظلام.

وفي الختام، يبقى الجهل أخطر عدوٍّ يواجه الإنسان، لأنه عدوٌّ خفيٌّ يتسلل إلى داخله، ويؤثر في قراراته وسلوكه دون أن يشعر. ومن أراد النجاة، فليجعل من العلم سلاحه، ومن الوعي درعه، حتى يحيا حياةً كريمةً قائمةً على الفهم والبصيرة، بعيدًا عن عداوة النفس وهلاكها.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: شكرا استاذه حنان مقال طيب ومتميز تضمن بيان الجهل وأثره على الإنسان نفسه وعلى الآخرين والله عزوجل أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالاعراض عن الجاهلين بقوله تعالى
    (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) الأعراف ايه ١٩٩
    والأعراض عن الجاهلين وعدم مجادلتهم فيه سلامه للنفس البشرية،،،وفيه دعوة للجاهل نفسه بأن يرتقي من الجهل ويتعلم حتى بكون على بصيره وعلى علم ينتفع به وفقنا الله واياكم لما يحبه ويرضاه

  2. موضوعك رائع ويعالج قضايااا عدة
    فهناك حمقاااا على وجه البسيطة
    يفرقون ولايجمعون بتصرفاتهم اللامسؤله
    نسأل الله لهم الهدايه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى