
زاوية ” قصص سمير “
✍️ سمير الشحيمي – كاتب عماني :
تخيل مكاناً تبلغ مساحته 43 هكتاراً فقط ، لكنه يضم واحداً من أكثر الجيوش فتكاً في الطبيعة ، إنها ليست حقول ألغام ولا منشآت نووية ، بل هيه جزيرة معزولة نهائياً معروفة عالمياً بإسم (جزيرة الأفاعي).
تُعد الأفاعي من الزواحف ذوات الدم البارد ، وتتميز بجسمها المتطاول الذي يفتقر إلى الأطراف ، وتنتشر في جميع أنحاء العالم تقريباً بإستثناء المناطق القطبية وبعض الجزر النائية.
( جزيرة إيلا دا كيمادا جراندي)(Ilha da Queimada Grande) ، حيث لا تملك البشرية حق السيادة فيها ، تقع هذه البقعة المعزولة قبالة سواحل البرازيل ، وهي المكان الوحيد على وجه الأرض الذي يُمنع فيه البشر من الخطو ليس خوفاً من القانون فحسب ، بل رغبةً في البقاء على قيد الحياة.
السبب الرئيسي في الحظر عندما ارتفعت مستويات البحر قبل 11 ألف عام وانفصلت الجزيرة عن البر الرئيسي ، علقت هذه الأفاعي هناك ، وبما أن طعامها الوحيد هو الطيور المهاجرة ، تطور سمها ليصبح أقوى بـ 3 إلى 5 مرات من سموم أقاربها في البر ، وذلك لقتل الفريسة فوراً قبل أن تتمكن من الطيران بعيداً.
تشير التقديرات إلى وجود ما بين أفعى واحدة إلى خمس أفاعٍ في كل متر مربع في بعض مناطق الغابات الكثيفة ، هذا يعني أنك قد لا تسير أكثر من ثلاث خطوات دون أن تجد نفسك وجهاً لوجه مع الموت.
تصنف الحكومة البرازيلية ، ممثلة في البحرية البرازيلية ، هذه الجزيرة كمنطقة محظورة تماماً ، وهناك ثلاثة أسباب جوهرية لهذا القرار وهيه :
1ـ السلامة العامة حيث لدغة واحدة من هذا النوع كفيلة بالتسبب في نزيف داخلي أو فشل كلوي أو حتى ذوبان الأنسجة العضلية حول اللدغة. في ظل انعدام وجود مستشفيات أو فرق إنقاذ قريبة، فإن أي دخول غير مصرح به هو بمثابة حكم بلإعدام.
وهناك تطور نوع فريد منها تسمى “أفعى رأس الرمح الذهبية” (Golden Lancehead).
هذا الكائن ليس مجرد أفعى سامة عادية ، بل هو نتاج آلاف السنين من العزلة التطورية سم يذيب الأنسجة.
2ـ حماية الأنواع المهددة بالانقراض ، إنها أفاعي فتاكة ولكنها كائنات مهددة بالإنقراض ، فهي لا تعيش في أي مكان آخر في العالم ، فالوجود البشري العشوائي قد يدمر بيئتها الهشة أو ينقل أمراضاً تقضي عليها.
3ـ يُسمح فقط للباحثين العلميين المعتمدين والمجهزين بدخول الجزيرة ، بشرط وجود طبيب مرافق ، حيث يسعى العلماء لدراسة سمومها لإستخدامها في تطوير أدوية لضغط الدم وأمراض القلب.
4- تنتشر في البرازيل قصص مرعبة حول هذه الجزيرة ، أشهرها قصة عائلة حارس المنارة الذي كان يعيش هناك في أوائل القرن العشرين ، حيث تقول الأسطورة إن الأفاعي تسللت عبر النوافذ في إحدى الليالي ، مما أجبر العائلة على الفرار نحو القارب ، لكنهم لم يصلوا أبداً ؛ حيث وُجدت جثثهم لاحقاً منتشرة في أرجاء الجزيرة.
اليوم تعمل المنارة بشكل آلي بالكامل ، وتقوم البحرية البرازيلية بزيارتها سنوياً للصيانة بملابس واقية صارمة، تاركةً الجزيرة لأصحابها الحقيقيين.
الخلاصة
جزيرة الأفاعي ليست مجرد بقعة (خطيرة) ، بل هي تذكير صارخ بأن الطبيعة قادرة على رسم حدودها الخاصة، وإنها مكان يتوقف فيه الفضول البشري عند الشاطئ ولا يتجرأ دخولها ، وتظل الغابة في الداخل ملكاً لملك واحد فقط هو افعى( الرأس الرمحي الذهبي).
للتواصل : [email protected]



