مزرعة الزيتونة: حكاية حلمٍ استشاري أيقظَ تنمية الباحة

✍️ محمد شايع الشايع – كاتب سعودي – أستاذ التوعية البيئية. والدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود :
سكون المكان في أكواخ تتصدر قمة الجبل، محاطة بأشجار الزيتون والفواكه، وأصوات الطيور، لتخلق للمكان صورة ذهنية مؤصلة من خلال حجم الاهتمام، والموجودات، وله طابع زيارة مختلفة، فيها تتجذر مودة في الذاكرة، حتى يغدو المكان راوياً لها قبل اللسان، هكذا كانت الرحلة إلى رحاب مزرعة الزيتونة في منطقة الباحة، تزامناً مع برنامج تأهيل المزارع الريفية للسياحة الزراعية والريفية ، حيث لم تكن الساعات التدريبية مجرد محتوى معرفي يُلقى، بل كانت أكاديمية مفتوحة تنبض بالتنظيم، وتفيض بحسن الوفادة، وتترجم قيم الضيافة السعودية الأصيلة إلى سلوكٍ مؤسسيٍّ متقن.
في قلب هذا المشهد، يقف استشاري طب العيون الدكتور صالح عباس آل حافظ، رجلٌ صاغت المهنةُ دقة ملاحظته، وهذّبت خبرة المشارط بصيرته، فاعتاد أن يلتقط في عيادته ما تعجز عنه العين المجردة، غير أن مكمن الدهشة في حكايته يتبدى في انتقال تلك البصيرة من عتمة غرف العمليات، إلى ضياء سفوح الجبال، حيث أبصر في الصخر إمكاناً، وفي الأرض البور وعداً، فحرّك السكون بوعيٍ يزاوج بين صرامة العلم وجلد الإيمان بالفعل.
على امتداد عقدين من الزمن، لم تكن هذه التجربة نزوة عابرة، بل كانت مسيرة نحتٍ صبور في خاصرة الجبل. لقد شُيّد أكثر من مئة مدرجٍ حجري، استعادت عبقرية الأجداد في حبس التربة وصون القطرة، لتؤسس لنهضةٍ زراعية محكمة. وفي تلك المدرجات، بسطت آلاف أشجار الزيتون ظلالها أكثر من أربعة آلاف شجرة تمثل اثنين وعشرين صنفاً من نخبة السلالات العالمية في تظاهرة عملية لإحياء إرثٍ كاد أن يذوي، عبر مقاربةٍ استثمارية لا تفصل بين اقتصاديات الثمرة وقدسية المكان.
ولأن الرؤية هنا استشارية، لا تقنع بظواهر الأمور، فقد تجاوز المشروع منطق الموسمية إلى فلسفة القيمة المضافة. فكانت المعصرة الأولى والوحيدة في المنطقة الجنوبية نقطة تحوّل هيكلي، حيث لا تُعصر الثمار فحسب، بل تُدار المنظومة وفق مفهوم الاقتصاد الدائري، بينما يُستخلص الزيت كذهبٍ سائل، تُعاد صياغة المنتجات الاقتصادية الثانوية لتتحول إلى طاقة، وأسمدة تعيد للأرض دورتها الحيوية، في نظامٍ مستدام لا يعرف الهدر. وعلى تخوم الزيتون، تتكامل لوحة التنوع الحيوي من بنٍّ جبلي، وفواكه استوائية، ونباتات زيتية علاجية كالأركان والبان والجوجوبا، وزعفران رائحته عطرية تفوح بالمكان، هي عمل ابداعي بهندسة زراعية تبتكر الفرص وتعدد مصادر القيمة.
وفي ثنايا المكان، تبرز الحكاية الإنسانية لتبث في الأرقام روحها، وتتجسد أبهى صورها في كهف المحاضرات والاجتماعات يفوق عمقه 20 مترا، وعرضه 10 أمتار شيده عامل له قصة اسماها الدكتور “قصة الكهف ومحمد رسول” حيث استحال الوفاء، ونُقشت قصة عاملٍ وجد تقديره محفوراً في ذاكرة الجبل، هنا، ندرك أن الزيتونة ليست مشروعاً إنتاجياً فحسب، بل هي منظومة قيمٍ قوامها الاعتراف والامتنان لمن وضعوا بصمتهم في ترابها.
أما في بُعدها السياحي، فقد نجح الدكتور صالح في نقل الزائر من حياد المتفرج إلى فضاء المشاركة، فبعد انتزاع أول رخصة للسياحة الزراعية في المنطقة، أضحى الضيف جزءاً من السردية الحية يراقب خلايا النحل وهي تنسج عسلها، ويتتبع ارتحال الثمرة من الغصن إلى المائدة، مختبراً تجربة الغذاء العضوي في صورتها الأكثر نقاءً. وفي بيت الاستضافة، يحضر صاحب الرؤية بنفسه، يستقبل، ويحاور، ويفيض بكرمٍ لا تحده حدود، واضعاً مسؤولية تنشيط المنطقة في مقامٍ يسبق التزاماته المهنية الخاصة، إيماناً منه بأن رفعة الوطن تبدأ من إحياء مقوماته.
لقد تجاوز صدى مزرعة الزيتونة أسوارها الحجرية، ليُحدث حراكاً تنموياً أعاد تشكيل وعي المجتمع بإمكانات أرضهم، وحفّز المستثمرين على استنطاق ما كان مهجوراً. وهي اليوم رسالة مدوية لصنّاع القرار أن تمكين المبادرات النوعية هو المسار الأقصر نحو تنميةٍ مستدامةٍ متجذرة في الأرض، إنها قصة تبرهن أن بصيرة الطبيب الاستشاري حين تقترن بعزيمة الفلاح، لا تُنبت في الصخر حياة فحسب، بل تفتح للمكان عيوناً يرى بها آفاق مستقبله العالمي.
للتواصل : [email protected]



