لماذا نخاف من بعضنا وكيف نستعيد الثِّقة!!

✍️أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي – كَاتِبٌ صَحَفِيٌّ، وَمُذِيعٌ تَلْفَزِيُونِي :
ما نلحظه هذه الأيام، تحول الخوف من “العين والحسد وكيد الآخرين” إلى هاجس يومي لدى شريحة واسعة من الناس، حتى صار المشهد المألوف: إخفاء الأخبار السَّارَّة، والتردد قبل دعوة قريب، والجملة الجاهزة عند أول خذلان: “توقعتها”.
ليس الخطأ في الحذر، لكن المصيبة حين يتحول إلى وَسْوَاس يصنع سجنًا نفسيًّا يُفقدنا أجمل ما في الحياة: الأُنْس بالآخرين.
أرى من أسباب تصاعد الظاهرة:
تَضَخُّم السوشيال ميديا والتدفق اليومي لقصص ومقاطع تُظهر حياة الآخرين بصورة مثالية، وهذا يدفع إلى المقارنة المستمرة، ويُولِّد شعورًا بأن “الكل يراقب ويحسد”، حتى يصبح الفرد أسيرًا للصورة.
وقد يكون لتجارب الخِذْلان دور؛ فموقف أو موقفان من خيانة ثقة كافيان لدى البعض للتَّعْمِيم وإطلاق حكم جائر: “الناس كلهم كذلك”، فيُظلم البريء بجريرة المسيء.
ولعل لثقافة التخويف وكثرة الرسائل التي تُحَذِّر من العين والحسد دون موازنتها بخطاب التوكل وحسن الظن، هي الأخرى، دورًا في جعل الخوف هو الأصل والثقة هي الاستثناء.
وأيضًا ضعف الروابط الاجتماعية، وتَرَاجُع الجلسات الصادقة والجَمَعات العائلية، خلقا مسافة نفسية حتى مع القريب، والغريب يسهل أن يُخاف منه.
نحتاج أن نكسر الدائرة! ونأخذ بمسارات عملية.
ويمكن أن يبدأ العلاج من الداخل؛
فالخوف الزائد غالبًا جَذْرُه هَشَاشَة داخلية. وعلينا تقوية اليقين بمبدأ “لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا” فهو أساس متين. والأذكار الصباحية والمسائية ليست روتينًا يُقال بلا يقين، بل طُمَأنينة تمنح السَّكِينَة والهُدُوء. فالنبي ﷺ كان يَتَعَهَّد أصحابه ويُخالط الناس وهو أكثر من أُوذِي، وما اعتزل الحياة. التَّوَكُّل الحق هو الجمع بين الأخذ بالأسباب والثقة بالله، والإيمان بأنه النافع الضَّار وحده.
وعلينا التمييز بين الحذر والوَسْوَاس:
الحذر: عدم إعطاء المعلومات البنكية للغرباء، وعدم ترك البيت مفتوحًا.
الوَسْوَاس: كتمان خبر التوظيف، خوفًا من الحسد.
الأول عقل وحكمة، والثاني سجن ووَهْم. والمعيار: هل للخوف سبب واقعي أم مجرد “يمكن”؟
لنُعِد تعريف العين والحسد:
العين حق، لكنها لا تُلغي أن الأصل في الناس الخير. الخلل أن نعيش وكأن كل نظرة حسد وكل سؤال مكيدة. يقول ﷺ: “إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة”. الحل ليس في الكتمان المطلق، بل في نشر ثقافة الدعاء بالبركة. فحين يمدحك أحدهم، ابتسم وقل: “قل ما شاء الله”. عَلِّمه بدل أن تهرب منه.
فالمهم بناء “دوائر ثقة صغيرة”:
ليس مطلوبًا أن تثق في كل البشر حتى تعيش بسلام. يكفي البدء بثلاثة إلى خمسة أشخاص من الأهل والأصدقاء الصَّادقين. مشاركتهم التفاصيل البسيطة أولًا تثبت أن الثقة لا تُستعاد بالكلام النظري، بل بتجارب صغيرة ناجحة متكررة. الجَمَعات واللقاءات الأخوية وإحسان النِّيَّة بالآخرين هي مصنع الثقة الأول في نسيجنا الاجتماعي.
ولنوقف سَيْل المقارنات:
تقليل التعرض لمنصات التواصل، أو على الأقل فَلْتَرَة من تتم متابعتهم، خطوة ضرورية. فمقارنة الحياة الكاملة بلقطة من حياة الآخرين تُشعر صاحبها بأنه مُهَدَّد، والشعور بالتهديد يولد سوء الظن حتمًا. السعادة الهادئة لا تحتاج جمهورًا يُصَفِّق.
ويحسن بنا تحويل حسن الظن إلى عادة:
يُنقل عن ابن القَيِّم قوله: “احمل أمر أخيك على أحسنه ما وجدت له محملاً”. لم يرد على اتصالك؟ لعله مشغول لا متجاهل. سأل عن راتبك؟ لعله يريد أن يبارك لك لا أن يحسدك. إعطاء الناس عُذرًا يمنح القلب خفة والبال هناءً.
الخوف من الناس يسرق منك الناس، والحياة دون أناس تَثِق بهم حياة ناقصة مهما كثرت الأموال والإنجازات، وعلا المكان والمكانة. والمطلوب ليس السَّذَاجَة، بل شجاعة متوازنة: أذكارك درعك، وعقلك حارسك، وقلبك مفتوح بحكمة.
والخطوة تبدأ اليوم: مكالمة لشخص انقطعت السُّبُل معه بسبب سوء ظن، وسؤال عنه بلا مصلحة. فالثقة لا ترجع بقرار جماعي، بل بقرارات فردية شجاعة.
ولتكن عبارة _”ما شاء الله لا قوة إلا بالله”_ شعار المرحلة القادمة بدلًا من كلمة “أخاف”؛ فهي تحفظ النعمة، وتُهذِّب القلب، وتُطَمْئِن من أمامك.
دمتم بسلام وأَمْن وسَكِينَة وأُلْفَة، وحفظ الله علينا هدوء أيامنا، وجعلنا إخوة متحابين فيه.
للتواصل : [email protected]



