كتاب الرأي

حين تُؤتمن الحـروف يرتقي المعـنى

          ✍🏻 رحمة الطويرقي_كاتبة سعودية :

الكلمة ليست مجـرد صـوتٍ يُقـال ، ولا حـروفٍ تُرصّ لتملأ الفراغ ، إنمـا هي أمانة تُحمَل ، ورسـالة تُسأل عنها القلوب قبل الأقلام.

في عمق كل كلمـةٍ صادقة ، يقف ضميرٌ حيّ ، يزن المعنى قبل أن يُطلقه ، ويستشعـر أثره قبل أن يُلقيه. فالكلمة، حين تخرج من فـمٍ لا يُبالي ، قد تُربك وعياً ، أو تُضلّ طريقاً، أو تُطفـئ نوراً كان قاب قوسـين من الاشتعال . لكنهـا حين تُصـاغ بوعيٍ نقيّ ، تصبح جسراً للمعرفة ، ومصباحـاً في عتمـة التيه ، ويداً تمتدّ لتنتشـل الإنسـان من ضجيج الزيف إلى سـكينة الحـقيقة.

أمـانة الكلمة في الإعـلام ليست ترفاً أخلاقياً ، بل جوهر الوجود المهني . فالإعـلام الهـادف لا يُقاس بكمّ ما ينشر ، ولكن بصدق ما يُقدّم ، وبالأثر الذي يتركـه في النفوس والعقـول . هو ذلك الصـوت الذي لا ينجـرف مع التيار ، بل يُهذّبـه ، ولا يلهث خـلف الإثارة ، إنمـا يسمو نحو القيمة . إعلامٌ يُدرك أن خلف كل خبر إنسـان ، وخلف كل قصة روح ، وأن العبث بالكلمـة هو عبثٌ بوعي مجتمعٍ بأكمله.

وحين يرتقي الإعلامـي بأمانة كلمته ، فإنه لا يكتب للّحظة ، بل للتاريخ يختار عباراته كمـا لو أنها ستبقى شاهدة عليه ، مستحضِرًا ما قاله حافظ إبراهيم:
“وما من كاتبٍ إلا سيفنى
ويبقى الدهرُ ما كتبت يداهُ”
فيُحمّل حرفه مسؤولية البناء لا الهـدم ، والإضـاءة لا التضليل . هنـا تتحوّل الكلمة من أداة نقل إلى وسيلة تغيير ، ومن خطابٍ عابر إلى أثرٍ باقٍ ، ومن مهـنةٍ تُمارس إلى رسالةٍ تُعاش .

الإعلام الهادف لا يُصنع في غرف الأخـبار فقط ، بل يُولد أولاً في داخل الإنسان في صدقه مع نفسه ، في احترامه لعقل المتلقي ، وفي إيمـانه بأن الكلمة قد تكون نجاة أو هاوية لذلك ، فإن كل من يعتلي منبراً إعلامياً ، إنما يقف على حافة مسؤوليةٍ دقيقة ، لا يُنقذه منهـا إلا وعيه، ولا يرفعه فيها إلا صدقـه.

وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات ، وتختلط فيه الحقائق بالظنون، تبقى الكلمة الأمينة هي النـادرة … لكنها الأجمل والأبقى . هي التي لا تحتاج إلى صخبٍ لتُسمَع ، ولا إلى مبالغةٍ لتُصدَّق ، لأنها ببساطـة تنبع من مكانٍ صادق ، وتصل إلى مكانٍ يستحـق.

وهكذا لا يكون الإعـلام رفيعًـا إلا بقدر ما يكون صادقًا مع أمـانة الكلمة ، فهي ليست ما يُقال ، إنما ما يبقى ، فإن حفظها كانت له جناحًـا ، وإن خانها كانت عليه ثِقلاً لا يُغتفـر .

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى