بين نقاء المعدن وتلوّن المواقف: حين يكون الصمت ترفعاً واليقين عدلاً

✍️عائشة السبيعي – كاتبة سعودبة :
في رحلة الحياة، نلتقي بنماذج من البشر تتقاذفهم أهواء الكلام وتتبدل مواقفهم بتبدل الظروف؛ أناسٌ ينسجون من أوهامهم حكايات يصدقونها، ويحاولون فرضها كواقع. ولعل أعمق ما يواجه الإنسان السويّ هو تلك اللحظة التي يُقابل فيها صفاء قلبه وتلقائيته بأساليب متلوّنة، ثم يعود الطرف الآخر للتعامل وكأن شيئاً لم يكن، باحثاً عن “انتصار وهمي” في عوالم من صنع خياله.
وهم الانتصار وهشاشة التلوّن
إن الشخص الذي يعيش في دوامة أوهامه، إنما يبني جداراً من الادعاءات ليحمي به صورته المهتزة أمام نفسه. هؤلاء يبحثون عن مكاسب زائفة عبر تبديل الحقائق وتغيير المجريات، ظناً منهم أن نقاء قلبك “غفلة” أو أن تجاوزك للأمور “نسيان”. لكن الحقيقة أن عودتهم للتعامل العادي ليست دليلاً على تجاوز الموقف، بل هي عجز عن مواجهة رصانة منطقك ونبل معدنك.
الرقيّ في وضع الحدود
أن تمنح الفرص وتعود بطبيعتك، فهذا رقيّ في الأخلاق وترفعٌ في القدر. لكن هذا النقاء لا يعني القبول بالانسياق خلف تلون مواقفهم؛ فالحكمة تقتضي أن تضع مسافة آمنة تحمي بها هدوءك النفسي. فمن لا يدرك قيمتك أو مكانتك، ومن يلف ويدور ليرسم واقعاً لا يشبهك، لا يستحق أن يحظى بمساحة القرب الصادقة في عالمك. إن تعاملك بـ “رسمية” وبحدود واضحة هو رسالة صامتة تخبرهم بوضوح: “أنا أعلم حقيقتكم جيداً، لكنني أترفع عن السقوط لمستواكم”.
اليقين بأن الزمن دوّار
عندما تضيق النفس من جحود البعض وتبدل أحوالهم، يأتي اليقين بأن “موازين الحياة لا تخطئ”. فالحياة مدرسة، والزمن كفيل بتبديل الأدوار ووضع كل إنسان في مقامه الذي يستحقه. إن الصدق مع الذات هو الحصن المنيع الذي لا تطاله تبدلات البشر، والزمن كفيل برد الاعتبار لمن حافظ على نقائه وسط ضبابية المواقف.
على الإنسان الاستمرار بالصدق والاتزان، فالمعدن الأصيل يزداد بريقاً كلما ترفع الإنسان عن الصغائر. وعليه أن يسلم أمره لمن يعلم خفايا الصدور، ويتذكر دائماً أن صمته ليس ضعفاً بل هو سموّ فكري يحميه من التورط في وحل ادعاءاتهم. فعليه أن يستمتع بسلامه الداخلي، فالحقيقة شمس لا تغيب مهما طال ليل التلوّن، والأيام دوارة كفيلة بوضع كل شخص في مكانه الصحيح.
للتواصل :[email protected]



