هل نعيش لنأكل..أم نأكل لنعيش؟

✍️أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي _ كَاتِبٌ سَعُودِيّ :
لم تعد إعلانات الأكل مجرد لوحات معلقة في الشوارع، أو إعلانات منبثقة على شاشات هواتفنا، بل تحولت إلى غزو ثقافي ممنهج يضرب في عمق وعينا وسلوكنا. في الآونة الأخيرة برزت ظاهرة ملفتة تستحق الدراسة والوقوف عندها طويلًا، إذ صار الأكل حديث المجالس، ومادة المشاهير، وجل اهتمام المؤثرين. امتلأت الطرق بصور البرغر العملاق الذي يقطر جبنًا، وامتلأت المنصات بمقاطع “تحديات الأكل”، وجولات المطاعم، ومراجعات الأطباق. حتى بعض الذين عرفوا بالفكر والفن والرياضة صار شغلهم الشاغل ماذا أكلوا، وأين أكلوا، وبأي طريقة قُدِّمت لهم الوجبة.
لقد وصل بنا الحال إلى أن الطعام لم يعد وسيلة لإبقاء الحياة، بل صار هو الغاية من الحياة نفسها. صار طموح الشاب أن يزور كل المطاعم الجديدة، وهم الفتاة أن تصور أجمل طبق، وشغل الأسرة أن تبحث عن المطعم الذي يتصدر “الترند”. تحولت الموائد إلى استوديوهات تصوير، وتحولت اللحظات العائلية إلى محتوى للنشر. صار السؤال المتكرر في كل لقاء: ماذا سنأكل اليوم؟ وأين؟ وبكم؟
والأدهى من ذلك أن هذه الظاهرة وصلت إلى حد المراهنة لإثبات المصداقية حسب قولهم. حيث خرج بعض أصحاب المطاعم يعلنون بمئات الآلاف أن مطعمهم هو الأفضل، وأن اللحوم المستخدمة طازجة مئة في المئة، ومن يثبت خلاف ذلك فله مليون ريال. وكأن أعظم ما يمكن أن يفخر به الإنسان في هذا العصر هو أنه يتقن شواء اللحم، أو أنه يملك وصفة سرية للصلصة. أي انحدار هذا؟ وأي خواء أوصلنا إلى أن نجعل من قطعة لحم ميدانًا للتباهي، ومن طبق طعام معيارًا للتميز؟
إن هذا المشهد يدل دلالة واضحة على تدني الهمة والفكر، وعلى انصراف كثير من الناس عن معالي الأمور إلى أدناها. لقد كانت همم الرجال قديمًا في بناء الحضارات، وفي طلب العلم، وفي نصرة الحق، وفي عمارة الأرض. أما اليوم فقد أصبحت غاية كثيرين ما طبخوا وما أكلوا. انحصرت الطموحات في قائمة طعام، وانحصرت الأحلام في تجربة نكهة جديدة. فأي أمة هذه التي تقيس تقدمها بعدد المطاعم التي تفتتح، وبقيمة الفاتورة التي تدفع؟
إن المتأمل يدرك أن وراء هذا كله صناعة ضخمة تعرف كيف تستثمر الغريزة. فالمعلنون يدركون أن الجوع العاطفي أشد فتكًا من الجوع الجسدي. ولذلك يبيعونك السعادة في علبة، والراحة النفسية في وجبة، والهيبة الاجتماعية في طبق مصور بدقة. والمشاهير وجدوا في الترويج للأكل دخلًا سريعًا ومضمونًا، فباعوا وقتهم وصورهم لكل من يدفع. والمتابعون وجدوا في مشاهدة الآخرين وهم يأكلون متعة سهلة ورخيصة، تهرب بهم من واقعهم ومن مسؤولياتهم.
وهكذا انقلبت المعادلة التي تربينا عليها رأسًا على عقب. كانت الحكمة تقول: نأكل لنعيش، أي أن الطعام وسيلة نتقوى بها على العبادة والعلم والعمل وخدمة المجتمع. أما واقعنا اليوم فيصرخ: نعيش لنأكل. نأكل لا لأننا جائعون، بل لأننا فارغون. نأكل هربًا من الملل، وتعويضًا عن النقص، وتقليدًا أعمى لكل ما هو جديد. صار الأكل هواية، وصار الحديث عنه ثقافة، وصار الاستعراض به هوية.
ولا شك أن لهذا الانقلاب ثمنًا باهظًا ندفعه فرادى وجماعات. على مستوى الفرد، أجسام أنهكتها السمنة وأمراض السكر والضغط، ومديونيات تراكمت بسبب طلبات لا تنتهي، ووقت يهدر أمام الشاشات في متابعة من يأكل. وعلى مستوى المجتمع، عقول تعطلت عن التفكير في القضايا الكبرى، وهمم خبت عن الإبداع والإنتاج، وقيم استُبدلت فصار معيار النجاح هو “أين تعشيت البارحة” لا “ماذا أنجزت البارحة”.
إن هذه الظاهرة مرآة صادقة لعصر الاستهلاك المفرط، ولثقافة المتعة اللحظية التي لا تنظر إلى العواقب. لكن الحل يبدأ بالوعي. أن يسأل كل منا نفسه قبل أن يضغط على زر الطلب: هل هذا جوع حقي أم جوع إعلان؟ وأن نعيد للطعام مكانته التي يستحقها كنعمة من نعم الله نشكرها، لا لتكون غاية القصد.
كفى انحدارًا. إن الحياة أكبر من أن تختزل في طبق، والكرامة أسمى من أن تقاس بجودة البرغر، والطموح الإنساني أرفع من أن يُحبس في منيو. الأمم لا تُبنى بالمعدات، وإنما أيضًا تُبنى بالأفكار والعزائم.
فلنفق قبل أن نتحول إلى مجرد مستهلكين بلا قضية. نحن لا نعيش لنأكل. نحن نأكل لنعيش، لنبني، لنفكر، لنعلم، لنترك أثرًا يبقى بعدنا.
وغير ذلك، فسنصبح أمة بطنها أكبر من عقلها، وحبها للأكل أكبر من همتها، ليت شعري.
للتواصل : [email protected]



