بين استقامة الألف والتواء الياء: سيادة “الميم” في ميزان الوعي

✍️ حسن المقصودي – كاتب سعودي:
في المشهد السوسيو-لغوي المعاصر، لم تعد الحروف مجرد ظلال للأصوات، بل غدت كائنات أيديولوجية تعكس حركية المجتمعات وتناقضاتها الحادة. حيث تتبدى أمامنا دراما إنسانية تتجلى في ثلاثة أقانيم سيميائية هي: الألف الشاهق بوقاره، والياء الملتف ببراغماتيته، والميم المستدير بوعيه الكوني.
إذ يبرز الألف في طليعة الوعي كرمحٍ لا يقبل الانكسار، مجسداً تلك الذات المتفردة التي ترفض التماهي مع القطيع أو الانصهار في قوالب الزيف؛ فهو “الأنا” الشامخة التي تمارس الوقار كفعلِ مقاومة لا ينحني لريح المصلحة ولا يتثنى أمام عواصف المساومة، بل يبقى في قاموس المجتمعات ذاك الضمير المستتر الذي يرفض أن يكون مفعولاً به، مقتاتاً على نبالة العزلة وتفرد المبدأ.
وعلى الضفة النقيضة تماماً، ينساب حرف الياء بانحناءاته المريبة، محاكياً سيكولوجيا الانتهاز الملون والبراغماتية الفجة في أقصى تجلياتها؛ فهو “الكائن الأميبا” الذي يتشكل وفق وعاء المنفعة، متسلحاً بمرونة لزجة تتيح له التسلل عبر شقوق الفرص، ليكون ذاك المتملق الذي أتقن فن الانحناء ليصعد، والالتفاف لكي لا يُكشف، مستبدلاً القيم بالثمن، والكرامة بالتمكين، في مسرح حياةٍ تمجد الوصوليين ببراعة التلون.
وبين حدّة الألف وتلوّن الياء، ينبثق الميم كأيقونةٍ للاتزان الوجودي، وسُرّة للأبجدية، ونقطة ارتكاز للروح؛ حيث تنتهي الصراعات لتبدأ الحكمة. فهذا الحرف الذي استدار حول مركزه بوعيٍ تام، يعلن أن القوة الحقيقية تكمن في الاعتدال الذي يضع صاحبه في مناص التقدير الرفيع، متمثلاً في القناعة التي لا تهزها رياح الأطماع، والوعي الذي يبصر الحقائق دون تزييف.
إن “الميم” في مجتمعنا هو القائد الملهم الذي يجمع بين صلابة الألف ومرونة الياء دون أن يفقد هويته، محققاً المعادلة الذهبية التي تمنحه احترام الخصوم قبل الأصدقاء، ومؤكداً أن النجاة المجتمعية تظل رهينةً بمدى قدرتنا على استحضار هذا الاعتدال الذي يحررنا من فخ الصدام العقيم ومن وحل الانتهازية المهينة.
لتظل الأبجدية خارطة طريق أخلاقية تدعونا لنكون ألفاً في المبادئ، وميماً في التعامل، وحذراً يقظاً من انحناءة الياء التي قد تبتلع المبادئ في غفلة من الوعي. لأننا في نهاية المطاف لا نكتب الحروف بل نسكنها؛ فاحرص دائماً أن يكون مسكنك في دائرة الاتزان، لا في خطوط الانكسار أو دوائر الالتواء.
والسلام ؛؛؛
للتواصل : [email protected]



