كتاب الرأي

يوم الصحة العالمي . الصحة النفسية في زمن السرعة هل فقدنا قدرتنا على التوازن ؟

✍️ د. عبدالرزاق آل سعد _كاتب في الصحة النفسية و الاجتماعية :

في عالمٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة بشكل غير مسبوق لم يعد الوقت يُقاس بالساعات بل بعدد المهام المنجزة والإشعارات التي تم الرد عليها والإنجازات التي نُفاخر بها هذا التسارع المستمر خلق واقعًا جديدًا نعيشه يوميًا دون أن نتوقف كثيرًا لنسأل: كيف أثّر ذلك على صحتنا النفسية؟ وهل ما زلنا قادرين على الحفاظ على توازننا الداخلي؟

لقد أصبح “الانشغال” سمة اجتماعية تُكسب صاحبها نوعًا من التقدير بينما يُنظر إلى الهدوء أو التباطؤ أحيانًا كعلامة على الكسل أو قلة الطموح هذا التحول الثقافي دفع الكثيرين إلى تبنّي نمط حياة مزدحم يتجاوز حدود الطاقة النفسية ويؤدي تدريجيًا إلى شعور بالاستنزاف والفراغ رغم الامتلاء الظاهري بالإنجازات.

من الناحية النفسية، فإن العقل البشري لم يُصمَّم للتعامل مع هذا الكم الهائل من المحفزات اليومية فالتنقل المستمر بين المهام والتعرض المفرط للمعلومات والمقارنات الاجتماعية عبر المنصات الرقمية كلها عوامل تُسهم في رفع مستويات القلق والتوتر ومع مرور الوقت قد يفقد الفرد قدرته على الاستمتاع باللحظة أو حتى إدراك احتياجاته النفسية الحقيقية.

في ظل هذا الواقع يظهر سؤال جوهري: هل فقدنا التوازن؟
الإجابة ليست بسيطة لكنها تبدأ بالوعي فالكثير من الناس لا يدركون أنهم يعيشون في حالة “تكيّف مرهق” حيث يعتادون الضغط حتى يصبح هو الوضع الطبيعي وهنا تكمن الخطورة لأن غياب الشعور بالمشكلة لا يعني عدم وجودها.

أن التوازن لا يعني التوقف عن الإنجاز بل إعادة تعريفه فالصحة النفسية ليست نقيض النجاح بل شرط أساسي لاستمراره أن تمنح نفسك وقتًا للراحة أن تضع حدودًا واضحة أن تقول “لا” دون شعور بالذنب كلها مهارات نفسية تعزز من جودة الحياة وتُعيد للفرد إحساسه بالسيطرة.

في النهاية قد لا نستطيع إبطاء العالم من حولنا لكن يمكننا أن نختار كيف نتفاعل معه التوازن ليس حالة ثابتة بل عملية مستمرة من الوعي والتعديل وفي زمن السرعة ربما تكون أعظم قوة يمتلكها الإنسان هي قدرته على التوقف ولو للحظة ليستعيد نفسه .

 للتواصل :  [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى