سَـرْمَـدُ الـذَّات

✍️حسن المقصودي-كاتب سعودي:
في لجة الروح يشرق فجر التصالح، حين يغسل الرجل مرايا قلبه بماء الطمأنينة. إن أول دروب السمو تبدأ بمصافحة النفس، وطي صفحات الصراع مع الماضي. الرجل الذي يسكن إلى ذاته برضا الواثق، يغدو مثل بحر لا تكدره الأنواء، يرى في عيوبه ملامح البشر، وفي توبته ألق الملائكة. فلا يبلغ المرء شاطئ الوئام مع الغير، ما لم يرسُ أولاً في مرسى ذاته، فالتصالح الحق منبعه غور النفس وجوهر الروح، قبل أن يكون جسراً يمتد نحو الآخر.
فإذا استوى هذا السلم في حنايا الصدر، فاض النور على عتبة الأسرة. هناك تصبح الرجولة احتواء لا استعلاء، وملاذاً يفيض بالمودة والرحمة. يغدو الرجل في بيته سقف الأمان، وشجرة وارفة الظلال، تمنح الثمر ولا تطلب الجزاء، ليصنع مع شريك الروح ونسل الصلب قصة وئام لا تنقطع.
ومن فناء البيت، يتسع أفق الوصل ليحتضن العائلة الكبيرة. ينسج الرجل من خيوط الصبر حبالاً لصلة الرحم، ويجعل من العفو شيمة تترفع عن صغائر الهفوات.
هو في قومه كالغيث أينما وقع نفع، يرمم الصدع، ويجمع الشتات، ويورث ذوي القربى إرثاً من الشموخ الأخلاقي، واعياً أن مراقبة عيوب النفس أجدى من ترصد عثرات الخلق، وأن التجلي الحقيقي يكمن في الكف عن محاسبة الغير على الصغيرة والكبيرة.
حتى إذا اكتملت دوائر القربى، انطلق هذا التصالح ليعانق فضاء المجتمع. في هذا الميدان، يتجلى الرجل سفير حق، وملاذ سلم، ينبذ بذور الشقاق، ويغرس فسائل الحب في كل درب. حين يكسر الرجل قيود اللوم، ويتحرر من سجن الظنون، يشرق في صدره نور حسن الظن بالبشر، ترفعاً منه وصفاء لمعدنه الأصيل.
إن تصالح الرجل مع العالم هو الصدى البعيد لصدقه مع نفسه أولاً، ليصبح في نهاية المطاف منارة ضياء، تهدي السائرين إلى ملكوت السلام الدائم.
والسلام؛؛؛
للتواصل : [email protected]



