كتاب الرأي

على ضفاف الصبر… حكاية صياد على كورنيش الفناتير

           ✍️عائشة السبيعي _كاتبة سعودية :

على امتداد كورنيش الفناتير في مدينة الجبيل، بالمنطقة الشرقية ،
كنت أسير بمحاذاة الشاطئ أتأمل البحر. هناك رأيت عددًا من الصيادين يتوافدون إلى المكان، وكل واحدٍ منهما يحمل صنارته. للحظةٍ تساءلت: هل جاءوا للصيد كهواية؟ أم أنهم يقضون وقتهم مستمتعين بفكرة الصيد بحد ذاتها؟

كان المشهد بسيطًا، لكنه يحمل الكثير من المعاني. زرقة البحر تمتد حتى تعانق الأفق البعيد، وصنارة تُلقى في الماء، ونظرات تتجه نحو الموج، وصبرٌ طويل يرافق الانتظار والترقب… لحظة قد تحمل في طياتها ثمرة ذلك الصبر.

كان الصيد في الماضي مهنة أصيلة ارتبطت بحياة أهل الساحل. فقد كان الصيادون يبحرون في قواربهم الخشبية مع ساعات الفجر الأولى، ويعتمدون على أدوات بسيطة مثل الشباك المنسوجة يدويًا والقراقير التقليدية لصيد الأسماك. لم تكن هناك تقنيات حديثة كما هو الحال اليوم؛ بل كانت الخبرة ومعرفة البحر والصبر الطويل هي رأس مال الصياد الحقيقي.

ومع مرور الزمن وتطور الحياة، تغيّرت أدوات الصيد ووسائله. ظهرت القوارب الحديثة والتقنيات المتطورة، وأصبحت الصنارة الحديثة رفيقة لكثير من الصيادين والهواة على حدٍ سواء. ومع ذلك بقيت روح الصيد كما هي؛ علاقة قديمة تجمع الإنسان بالبحر، قوامها الصبر وانتظار ما قد يأتي به المدّ.

وخلال وجودي على شاطئ كورنيش الفناتير، كنت أتابع المشهد بعدستي، أصوّر أحد الصيادين. بدأ أولًا بتثبيت قاعدة الصنارة في الرمال بإحكام وعناية، ثم أمسكها بيده وألقى بالخيط بعيدًا في البحر بحركة قوية.

استقر الخيط في الماء، وساد هدوء قصير، كأن البحر يختبر صبر الصياد. مرّت لحظات من الانتظار، ثم فجأة تحركت الصنارة بقوة واهتزت. عندها أسرع الصياد، وبدأ يلف بكرة الصنارة بيديه بهدوء وتركيز.

كانت السمكة تتحرك في الماء محاولة الإفلات، بينما يقترب الخيط شيئًا فشيئًا الى يدي الصيد، وفي تلك اللحظة شعرت وكأنني أعيش المشهد معه؛ لحظة يتحول فيها انتظار الصياد الطويل إلى فرحة صادقة عندما تقترب السمكة من يده.

ففي عالم الصيد، لا تُقاس الفرحة بحجم السمكة بقدر ما تُقاس بلحظة تحقق الصبر، تلك اللحظة التي يشعر فيها الصياد بأن البحر قد منحه شيئًا من رزقه بعد انتظار.

ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى الصيد باعتباره مصدر رزق فقط؛ فبالنسبة للكثيرين أصبح الصيد أيضًا هواية ممتعة يقضون بها أوقاتهم على الشاطئ، يستمتعون بصوت الموج وهدوء البحر. بينما يظل بالنسبة لآخرين مصدر رزق يعتمدون عليه في حياتهم اليومية.

وهكذا يبقى البحر شاهدًا على علاقة قديمة لم تنقطع بين الإنسان والماء؛
علاقة تبدأ برمية صنارة… لكنها لا تنتهي إلا بحكاية يرويها البحر للصياد.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى