” مكانك سر “
✍️ مها الشاعر _ كاتبة سعودية :
لطالما دار في ذهني كثيراً هذا السؤال..
من الذي أقنع العالم بأن التغيير المستمر علامة نجاح، وأن الركود أو البقاء في حالة مستقرة هو عكس ذلك ؟! ..
النهر متحرك متجدد باستمرار ، البحر ثابت راكد، ولطالما كان البحر مضرب مثل في القوة والبهاء والتجدد، والعزم والإقدام، وكل ذلك مقابل سريان النهر المستمر دون أثر يذكر، سوى التغيير لا أكثر.
تجد أن البحر رغم ثباته إلا أنه له حالات عدة، مابين ركود ومد وجزر، وعلو ونزول ، ولكل حالة من حالاته نوع من الجمال أكثر ألقاً من نظيرتها.
بيد أن النهر مستمر التغيير في حالة واحدة، لا مد صاخب، ولا جزر هادر، ولا موج عالٍ ولا منخفض، حالة متغيرة مستمرة الرتابة.
يحمل البحر في ثباته البواخر والبوارج والمدرعات في بعض أحيان ، وفي باطنه الدر الكامن وعجائب خلق البديع من أحياء وصوامت غير حية، حين أن النهر لا يملك أياً من ذلك سوى قارب صياد تكتنزه رائحة الفاقة يبحث عن بعض صيد ، ونقنقة ضفدع يكاد أن يقتله الملل في وحدته ويريد بذلك لفت الإنتباه، عل عين عابراً تلتقطه فتعيره بعض اهتمام، ليشعر ببعض حياة.
ومع ذلك تجد النهر حاضراً في مجلدات الشعر كالبحر تماماً ، مع مراعاة فارق الحالة لكل منهما.
وبالعودة لسؤالنا ، تتساءل أيضاً د.مريم الحبسي كما نقل عنها في كتابها “مكانك سر” ..
وتطرح أكثر الأسئلة حيرةً في عصرنا هذا ..
“هل كان القدماء أكثر تقدماً منا لأنهم عرفوا متى يتقدمون؟” .. وأضيف هنا لسؤالها بل وعرفوا أيضاً أين يجيب أن يستمرون في الوقوف .
كنا نرى الناس في قديم الزمان يسلك أحدهم مساره، وقمة النجاح كانت في كيفية الاستمرار مع البحث في سبل التطور والإرتقاء، بل والتغيير كذلك في المسار ذاته، كالبحر تماماً.
في حين أن أقتنع الكثير من جيلنا هذا بأن بقاءك في مسار وظيفي، أو مهني، أو حتى على سبيل الموهبة والهواية، والمعارف والمراتب العلمية والعملية لمدة خمس سنوات دون أي تغيير يذكر ما هو إلا علامة للفشل المهني، أو الوظيفي ، أو حتى العلمي على سبيل المثال !..
من الذي أرهق الخلق وأوقعهم في دوامة من حالة الركض المستمر هذه والاستنفار على كل الأحوال، وكافة الأصعدة علمياً وعملياً ، بل وحتى اجتماعياً ، حتى أصبح الفرد منا على استحياء بالقول بأن لديه وقت من الفراغ لا يحب أن يمارس فيه أي نشاط سوى الصمت والتأمل، والحديث مع الذات، أو الانخراط في نشاط اجتماعي أو أسري بهدف الترفيه لا أكثر ..؟!
قلة جداً من يبرع في الجمع بين عدة مهارات ومسارات، لذا كنا نرى على سبيل المثال غازي القصيبي حين برع كسياسي، وأديب وشاعر في الوقت ذاته.
ومن أرض الزيتون كذلك غسان كنفاني حين بزغ نجمه كمناضل سياسي في إحدى جبهات المقاومة ، وفي الوقت ذاته كان يمارس الشعر والأدب والفن التشكيلي ، وبرع في كلاً منها وكأنها مساره الوحيد، وغيرهم من الأمثلة التي برزت في الجيل السابق.
ولكن ما نود الإشارة إليه هنا بأنها كانت حالات فردية لذلك برزت وأصبح يشار إليها بالبنان، وتلك هبات يهبها الله لمن يشاء من عباده.
ومن الصحي جداً بأن تبقى في إطار الحالات الفردية، فليس من التميز بأن تعيش مجتمعات بأكملها نظام حالات فردية.
أطلق الصينيون مصطلح “عقلية القرد” أو «The monkey mind phenomenon» لتصف هذه الحالة التي أصبح يعيشها البعض للأسف، وهي عدم قدرة الفرد على الثبات و البقاء في مسار واحد، سواءً ذهنياً أو فكرياً أو عملياً، وذلك بسبب التنقل السريع والعشوائية بين الأفكار والخطط والمسارات، بدافع القلق والخوف من وجود فرصة أفضل من الموجود لديه، فيضطر للتغيير والتنقل المستمر مخافة فواته شيء من ذلك .
وشبه ذلك السلوك بوجود قرد في غابة ممتلئة بأشجار الموز الغناء، فتجد القرد يقفز من شجرة لأخرى بحثاً عن المزيد دون الاستمتاع بما لديه في تلك اللحظة.
أصبح البعض منا يعيش بهذه العقلية، بدافع القلق كما ذكرنا من فوات فرصة، وآخرين بدافع الملل، وأخرى وآخر بدافع التقليد لهذا وهذه وتلك، حتى أصبح الثبات على حال واحدة محض ندرة.
وقد يكون الدافع هو تعدد الفرص ووفرتها، وقد يكون لدى البعض هو النظر إلى ما لدى الآخر وعدم الإكتفاء بما يملك مهما كان ذلك الذي يملك، فيتم تفعيل عقلية القرد، فتجد الفرد في حالة قفز وتنقل مستمرة ليس فقط على سبيل الحال، بل وحتى الطباع الشخصية، فقلما أصبحت تجد لأحدهم قالب شخصي ثابت متميز، لا كسمات ولا صفات فردية وهنا الكارثة الأكبر حقاً.
” إلى الأمام سر “
هو جزء من نداء من قادة الطوابير الصباحية العسكرية..
“مكانك سر، إلي اليمين در، إلى الخلف در .. ” وهكذا حتى يبقى الجسم والذهن في حالة من النشاط واليقظة، كتدريب تأهبي لأي طارئ، حتى ينتقل بعد ذلك إلى مرحلة ..” إلى الأمام سر” ..
“مكانك سر” ليست دائماً دلالة فشل وركود وجمود، فالثبات المادي وإن لم يكن بالمبالغ الطائلة ولكنه يغنيك عن السؤال، فهذا نجاح.
ولا بأس بالبحث عن مصادر دخل أخرى ولكن مدروسة، ووفق مهارات الشخص وقدراته، وبشرط ألا تؤثر على ثباته.
الثبات في حالة اجتماعية معينة يجد فيها المرء نفسه، وسعادته، وراحته واطمئنانه، ولكنها أقل مثالية من ابن جاركم، أو صديقتك، أو ابن العم وغيرهم من دائرتك، فهذه أيضاً ليست نقصاً ولا سبباً كارثياً يدفع بالمرء للبقاء في دوامة عقلية القرد، فتجده في حالة بحث مستمرة للتغيير سواءً على مستوى الفرد نفسه ،أو الأسرة والمجتمع.
وليس شرطاً بأن تؤخذ إلى حالة أفضل، ففي معظم الحالات تسقط في الفخ وتخسر كل ذلك ، ومن ثم تعود للتحسر على ما كنت تملك.
بقاءك في مرتبة وظيفية ثابتة لأكثر من خمس أو عشر سنين، بينما أنت تجد إستقرارك المادي والاجتماعي فيها، لا يعد تأخراً ولا عدم كفاءة، فقط لأن فلان أو فلانة كتب لهم التوفيق بالانتقال لمسار أو مرتبة أخرى أكثر ديناميكية ومهنية من المسار الذي أنت فيه، فلكل منكما نجاح مهني يختلف في مساره وطريقته عن الآخر، وكلٌ ميّسر لما خُلق له .
التغيير المستمر ليس بالضرورة نجاحاً ودلالة على التميز والفردانية، التغيير الذي يكون فقط تحول دون ارتقاء لا حاجة لك به.
فإن كنت “مكانك سر” منذ سنوات، سواءً باختيارك أو لحال فرضته الظروف، تذكر بأنك لست بحاجة لأن تبرر لأحدهم لماذا أنت هنا حتى الآن دون أدنى تغيير، ما دمت أنت تلمس النجاح .. حيث أنت.
ومن باب التذكير أقول هنا ؛ كما أن للبحر جماله وفوقيته أو تفوقه في نظر البعض، كذلك للنهر وتدفقه المستمر في حالة واحدة، جمال آخر أكثر بهاءً في نظر البعض الآخر .
لا تجتهد لتكون ما يريده الآخر، اجتهد لتكن ما تحب أن تشعر وتكون أنت عليه.
وهذا هو المهم ،بل والأهم في هذه الحكاية، حكايتك أنتَ، أو أنتِ.. ودمتم ..
للتواصل : [email protected]



