لسنا كما نبدأ… بل كما نصبح

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب سعودي :
ذات مرة، بدأت أمراً وأنا على يقين بأنه سيغير مجرى حياتي… ومع مرور الوقت، اكتشفت أن الذي تغير لم يكن ذلك الأمر، بل كنت أنا.
أحياناً، نقع في فخ الظن بأن البداية مجرد قرار واضح نتخذه بمحض إرادتنا، نحدد له ساعة الصفر ونمضي. لكنها في جوهرها شيء أبعد وأعمق من القرار نفسه؛ إنها شعورٌ خفي يتحرك في أعماقنا، ينمو في صمت، ويتشكل في عتمة الروح قبل أن نجرؤ على الاعتراف به، أو نملك الشجاعة لإعلانه أمام أنفسنا وأمام العالم.
نحن في الحقيقة لا نبدأ من فراغ، ولا نأتي من العدم؛ بل نبدأ من كل تلك الأشياء التي لم تُحسم في دواخلنا بعد. نرتكز على تعبٍ كتمناه طويلاً حتى ألفناه، وعلى رغبةٍ تريثت في الظهور حتى تحولت إلى دافعٍ جبار يدفعنا نحو الحركة. ليست كل بداية اختياراً صريحاً في حساباتنا، فكثير من البدايات في حياة البشر ليست سوى استجابة حتمية لنداءات داخلية كنا نتجاهلها طويلاً، وظننا واهمين أننا قد أسكتناها.
وفي غمار الطريق، وبين المد والجزر، لا نتغير دفعة واحدة. التغيير الحقيقي لا يحدث بضجة، بل ينسل فينا بصمت ووقار. نتبدل مع كل تجربة نخوضها، ومع كل تردد يسكننا، ومع كل لحظة صدق نعيشها في خلوتنا مع أنفسنا. إننا نخلع جلودنا القديمة شيئاً فشيئاً دون أن ننتبه، حتى نصل إلى نقطة ننظر فيها إلى الخلف فلا نعرف ذلك الشخص الذي بدأ الرحلة.
نكتشف متأخراً، حين يهدأ ضجيج السعي، أننا لم نكن نبدأ من الصفر كما كنا نتوهم، بل كنا نتكئ على كل ما كان يسكننا ولم نفهمه في حينه؛ على الندوب، على الخيبات، وعلى الأحلام المؤجلة. كلها كانت الوقود الخفي الذي يمنحنا طاقة الاستمرار دون علمنا.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يستحق منا التأمل والوقوف طويلاً ليس من أين بدأنا؟ ولا كيف كانت الانطلاقة؟
بل السؤال الذي يحدد قيمتنا الإنسانية هو ماذا أصبحنا ونحن نستمر في المسير؟ وما الذي أثمرت عنه تلك الخطى؟
إن العبرة ليست في شعلة البدايات البراقة، بل في النضج والوعي الذي نصل إليه في غمار التجربة. ليست كل بداية تُغير معالم طريقك أو تمنحك ما تمنيت… فبعض البدايات، وربما أجملها، وُجدت فقط لتُغيرك أنت.
للتواصل : [email protected]




متألق دائما في طرحك وحضورك 🫡💐
تسلم يا مسفر، هذا من ذوقك وقراءتك الراقية🌹